رئيسيةمتابعات

تراجع حاد في أسعار الذهب عالميا: هل ينعكس على السوق المغربية

شهدت أسعار الذهب العالمية خلال الربع الأول من سنة 2026 واحدة من أكثر الفترات تقلباً وحدة في تاريخها الحديث، حيث انتقل المعدن النفيس في غضون أسابيع قليلة من موجة صعود قياسية غير مسبوقة إلى مرحلة تصحيح عنيف أعادت خلط الأوراق على المستوى الدولي وانعكست بشكل مباشر على الأسواق المحلية، وفي مقدمتها السوق المغربية التي تفاعلت بسرعة مع هذه التحولات بحكم ارتباطها شبه الكامل بالتسعير العالمي وسعر صرف الدولار.

في مطلع سنة 2026، كان الذهب يعيش على وقع دينامية صعودية قوية امتدت منذ سنة 2025، مدفوعة بمزيج من العوامل الاقتصادية والمالية والجيوسياسية. فقد تراكمت في الأسواق رواية قوية مفادها أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مرحلة من التيسير النقدي الطويل، في ظل ارتفاع مستويات الدين العمومي في الاقتصادات الكبرى، خاصة في الولايات المتحدة، واستمرار الضغوط على الميزانيات الحكومية، إلى جانب مخاوف متزايدة من تآكل القوة الشرائية للدولار على المدى المتوسط. هذه العوامل، مدعومة بمشتريات قياسية من قبل البنوك المركزية حول العالم، ساهمت في دفع الذهب إلى تسجيل عشرات القمم التاريخية خلال سنة واحدة فقط.

في هذا السياق، تضاعف الطلب الاستثماري على الذهب، ليس فقط في السوق الفورية، بل أيضاً عبر الأدوات المالية المشتقة، مثل العقود الآجلة وصناديق المؤشرات المتداولة. وقد أدى هذا التوسع في الطلب “الورقي” إلى خلق نوع من الانفصال النسبي بين السعر الحقيقي للذهب والطلب الفعلي على المعدن، ما دفع عدداً من المحللين إلى التحذير من تشكل فقاعة سعرية مدفوعة بالمضاربة أكثر من الأساسيات الاقتصادية.

بلغت هذه الدينامية ذروتها في أواخر يناير 2026، عندما اقترب سعر الأونصة من مستويات 5,500 إلى 5,600 دولار، وهي مستويات غير مسبوقة تاريخياً، ترافقت مع موجة تفاؤل مفرطة في الأسواق، حيث بدأت بعض التوقعات تتحدث عن إمكانية بلوغ الذهب مستويات 7,000 دولار قبل نهاية السنة. غير أن هذه التوقعات كانت مبنية على فرضية استمرار ضعف الدولار واستمرار سياسات التيسير النقدي، وهي فرضية سرعان ما تعرضت لصدمة قوية.

 

أسعار الذهب.. قرار ترمب الذي أربك الأسواق

التحول الحاسم جاء من الولايات المتحدة، مع إعلان الرئيس الأميركي Donald Trump عن نيته ترشيح Kevin Warsh لرئاسة مجلس الاحتياطي الفدرالي. هذا الاسم ارتبط في أذهان الأسواق بمواقف أكثر تشدداً تجاه السياسات النقدية التوسعية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن مسار أسعار الفائدة والسيولة.

فور انتشار هذا الخبر، شهدت الأسواق واحدة من أعنف جلسات البيع في تاريخ المعادن الثمينة، حيث فقد الذهب في يوم واحد نحو 10% من قيمته، في حين سجلت الفضة تراجعات أكثر حدة وصلت في بعض التقديرات إلى ما بين 30 و39%. هذا الانخفاض لم يكن مجرد تصحيح تقني، بل جاء نتيجة سلسلة من التفاعلات المتداخلة، أبرزها الارتفاع السريع في عوائد سندات الخزانة الأميركية، خاصة العوائد الحقيقية، التي تعتبر من أهم العوامل المؤثرة سلباً على الذهب.

في الوقت نفسه، عاد الدولار الأميركي ليكتسب قوة ملحوظة، مستفيداً من إعادة تسعير منحنى الفائدة، ما زاد من الضغط على أسعار الذهب، إذ أن ارتفاع الدولار يجعل شراء الذهب أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى. كما أدت هذه التطورات إلى إطلاق موجة من عمليات تصفية المراكز في أسواق المشتقات، حيث اضطر المستثمرون الذين يستخدمون الرافعة المالية إلى إغلاق مراكزهم بسرعة لتفادي الخسائر، وهو ما زاد من حدة الهبوط.

لم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل استمرت خلال شهري فبراير ومارس، رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي عادة ما تكون عاملاً داعماً لأسعار الذهب. فقد شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط واقترابها من مستويات 100 دولار للبرميل، وهو ما كان من المفترض أن يدعم الذهب باعتباره ملاذاً آمناً.

غير أن المفارقة التي ميزت هذه المرحلة هي أن الذهب لم يستفد من هذه التوترات بالشكل المتوقع، حيث سجل ارتفاعاً مؤقتاً قبل أن يعود إلى التراجع بسرعة. ويعود ذلك أساساً إلى أن الأسواق أصبحت تركز بشكل أكبر على رد فعل البنوك المركزية تجاه هذه التطورات، خاصة فيما يتعلق بالتضخم وأسعار الفائدة.

في هذا الإطار، جاء موقف Jerome Powell ليؤكد هذا الاتجاه، حيث أشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط قد يعيد الضغوط التضخمية، ما يستدعي الإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول. هذا الموقف عزز من ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، ما شكل ضغطاً إضافياً على الذهب.

أمام هذه التطورات، انقسمت آراء المحللين إلى اتجاهين رئيسيين. الاتجاه الأول يرى أن ما حدث هو مجرد تصحيح عنيف داخل سوق صاعدة على المدى الطويل، مدفوعة بعوامل هيكلية مثل استمرار مشتريات البنوك المركزية وارتفاع مستويات الدين العالمي. أما الاتجاه الثاني، فيحذر من أن الذهب قد يكون دخل مرحلة إعادة تسعير أعمق، خاصة إذا استمر الدولار في الحفاظ على قوته واستمرت السياسات النقدية المتشددة.

هذا المشهد العالمي المعقد انعكس بشكل مباشر على السوق المغربية، التي تعتمد بشكل شبه كلي على استيراد الذهب، وبالتالي تتأثر مباشرة بالتغيرات في الأسعار العالمية وسعر صرف الدولار مقابل الدرهم. خلال فترة الصعود في يناير وبداية فبراير، شهدت أسعار الذهب في المغرب ارتفاعاً ملحوظاً، حيث تجاوز سعر الأونصة مستويات 48,000 درهم، فيما وصل سعر غرام الذهب عيار 24 إلى أكثر من 1,500 درهم في بعض الفترات.

هذه المستويات المرتفعة أثرت بشكل واضح على سلوك المستهلكين، حيث تراجع الطلب على المجوهرات، خاصة القطع الثقيلة، في حين ارتفع الإقبال على بيع الذهب المستعمل أو استبداله بقطع أخف. كما برز توجه نحو اقتناء السبائك الصغيرة والعملات الذهبية كوسيلة للادخار، وهو ما يعكس الطابع المزدوج للذهب في المجتمع المغربي، بين كونه زينة ووسيلة ادخار في الوقت نفسه.

مع بداية موجة الهبوط العالمية، بدأت أسعار الذهب في المغرب تتراجع تدريجياً، حيث انخفضت الأونصة إلى حوالي 42,000 درهم في غضون أسابيع، فيما تراجع سعر الغرام عيار 24 إلى حدود 1,300 درهم، وهو ما يمثل انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بمستويات بداية الشهر. هذا التراجع أعاد بعض الحيوية إلى السوق، حيث بدأ المستهلكون في العودة تدريجياً إلى الشراء، خاصة في ظل ترقب استقرار الأسعار.

غير أن انتقال هذا الانخفاض إلى السوق المحلية لم يكن فورياً أو كاملاً، حيث واجه التجار تحديات مرتبطة بالمخزون الذي تم اقتناؤه بأسعار مرتفعة، ما جعل بعضهم يتردد في تخفيض الأسعار بسرعة، تفادياً لتكبد خسائر كبيرة. هذا الوضع أدى إلى وجود تفاوت بين الأسعار المعلنة عالمياً والأسعار الفعلية في محلات البيع، خاصة في فترات التقلب الحاد.

من الناحية الاجتماعية، كان لتراجع أسعار الذهب تأثير مزدوج، حيث استفادت بعض الأسر من انخفاض الأسعار لإعادة النظر في قرارات الشراء، خاصة في ما يتعلق بمصاريف الزواج، في حين تكبدت أسر أخرى خسائر نتيجة شراء الذهب في فترات الذروة. كما ساهمت هذه التقلبات في زيادة وعي المستهلكين بأهمية متابعة الأسعار العالمية قبل اتخاذ قرارات الشراء أو البيع.

على المستوى الاقتصادي الأوسع، يبرز هذا التطور مدى ارتباط الاقتصاد المغربي بالتحولات العالمية، خاصة في ما يتعلق بالسلع المستوردة. فالذهب، رغم طابعه الخاص، يعكس بوضوح كيف يمكن لتغيرات في السياسة النقدية الأميركية أو في التوازنات الجيوسياسية العالمية أن تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين في المغرب، سواء من خلال أسعار المجوهرات أو من خلال قيمة المدخرات.

في المحصلة، تكشف أحداث فبراير ومارس 2026 أن أسعار الذهب لم تعد تتحرك فقط وفق منطق “الملاذ الآمن”، بل أصبح جزءاً من منظومة مالية معقدة تتداخل فيها السياسات النقدية، وأسواق السندات، وسعر الدولار، وسلوك المستثمرين في المشتقات المالية. وفي المغرب، تتجلى هذه التعقيدات بشكل أوضح، حيث تتحول كل تقلبات السوق العالمية إلى واقع يومي ينعكس على قرارات الأسر والتجار، في سوق تجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي في آن واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى