
في خطوة مفاجئة وذات أبعاد جيوسياسية واضحة، قررت الولايات المتحدة الأمريكية استبعاد ميناء الجزيرة الخضراء في إسبانيا من اتفاق بحري استراتيجي يربط السواحل الأمريكية بالموانئ الآسيوية، واختيار ميناء طنجة المتوسط في المغرب كمحطة بديلة. القرار، الذي دخل حيز التنفيذ منذ يونيو 2025، يعكس تحوّلاً ملحوظاً في موازين القوى اللوجستية والتجارية بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
خلفيات القرار الأمريكي
تشير تقارير إعلامية، أبرزها من صحيفة AS الإسبانية، إلى أن شركات الشحن الأمريكية، مثل American President Lines وMaersk Line Limited، بررت القرار بـ أسباب تشغيلية تتعلق بتقليص أوقات العبور وخفض التكاليف، إلى جانب تفادي الرسوم والإجراءات المرتبطة بأنظمة الاتحاد الأوروبي.
كما لعبت التوترات الدبلوماسية بين واشنطن ومدريد دوراً في هذه الخطوة، خاصة بعد رفض إسبانيا رسو سفينة أمريكية متجهة إلى إسرائيل في ميناء الجزيرة الخضراء، ما أدى إلى تدخل اللجنة الفيدرالية البحرية الأمريكية (FMC).
طنجة المتوسط: نجم الموانئ الصاعد
اختيار طنجة المتوسط لم يأت من فراغ، فهو أكبر ميناء صناعي ولوجستي في إفريقيا وأحد المراكز المحورية في التجارة العالمية.
الميناء يتميز بموقعه الاستراتيجي عند مدخل مضيق جبل طارق، وقد حقق قفزات هائلة في حجم المناولة، حيث أصبح منصة رئيسية للربط بين أوروبا وإفريقيا وآسيا.
خفض التكاليف كان عاملاً حاسماً في جاذبية الميناء المغربي، إذ انخفضت تكلفة شحن الحاويات من الصين إلى المغرب من نحو 25,000 دولار خلال أزمة الجائحة إلى حوالي 4,000 دولار فقط حالياً، ما يجعله خياراً تنافسياً لشركات الشحن الكبرى.
ضربة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي
بالنسبة لإسبانيا، يُمثل هذا القرار ضربة استراتيجية لمكانتها في شبكة النقل البحري العالمي.
ميناء الجزيرة الخضراء كان أحد أهم بوابات العبور بين الأطلسي والمتوسط، واستبعاده قد يؤدي إلى خسارة حركة مرور بضائع كبيرة، إضافة إلى التأثير على صناعات تعتمد على التجارة العابرة للقارات.
أما على مستوى الاتحاد الأوروبي، فإن تحويل جزء من مسارات الشحن إلى المغرب يثير مخاوف بشأن إعادة توزيع النفوذ التجاري واللوجستي خارج حدود الاتحاد، خصوصاً في ظل التنافس المتصاعد على السيطرة على خطوط الإمداد العالمية.
إعادة رسم خريطة الملاحة في المتوسط
هذا التحول يعزز مكانة المغرب كمحور لوجستي وتجاري بديل، ويعيد تشكيل خريطة الملاحة البحرية في المنطقة.
ميناء طنجة المتوسط أصبح اليوم ليس فقط منصة إقليمية، بل لاعباً رئيسياً في الربط البحري العالمي، بما يجعله منافساً مباشراً للموانئ الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها موانئ إسبانيا.






