متابعاترئيسية

وزيران في حكومة العثماني في قلب فضيحة فساد بالجارة إسبانيا

تحقيق سري للحرس المدني الإسباني كشف شبكة لتلقي العمولات "ورطت" الرباح واعمارة

في أروقة القوة السياسية والاقتصادية في إسبانيا، بدأ ملف “قضية كولدو” يتكشف كأحد أكبر فضائح الفساد التي هزت البلاد خلال السنوات الأخيرة.

القصة ليست مجرد تزوير أو رشوة عادية، بل نقاش شامل حول كيف يختلط المال بالسياسة على امتداد الحدود، حيث تتداخل مصالح كبار المسؤولين ورجال الأعمال في شبكة معقدة من الاتصالات والصفقات.

لكن ما يجعل هذه القضية أكثر تعقيدًا وأهمية هو امتدادها وتأثيرها خارج إسبانيا، وخصوصًا في المغرب، مما فتح أبواب الأسئلة والتساؤلات حول دور الضغوط الأجنبية وأدوات النفوذ في مشاريع استراتيجية تنفذ في المملكة.

كل شيء بدأ مع تقرير سري لوحدة العمليات المركزية للحرس المدني الإسباني (UCO)، التي كشفت من خلاله عن شبكة فساد كان بطلها الأبرز سانتوس سيردان، الرجل الذي وصفه المحققون بأنه الرابط الذي يجمع بين السياسة والأعمال في هذه القضية.

كان سيردان جزءًا من الحزب الاشتراكي الإسباني، وقد استطاع بفضل علاقاته ومواقعه أن يهبط خلف الكواليس حيث تتم معارك النفوذ والمال.

قام  سيردان بتحريك الأوتار ما بين شركات كبرى كأكسيونا وسيرفينابار، اللتين تورطتا في تلقي عمولات تعادل 2% من قيمة المداخلات التي تقوم بهما.

لكن المشهد لم يقتصر على الداخل الإسباني فقط، إذ كشفت الوثائق وجود اتصالات مباشرة بين سيردان ومسؤولين مغاربة بارزين، وكان أبرزهم عبد القادر عمارة وعزيز رباح، وهما وزيران سابقان في الحكومة المغربية، في ولاية سعد الدين العثماني، وتم نقل بيانات اتصالهما في دجنبر 2018 فيما كان يُستعد لزيارة رسمية لوزير النقل الإسباني إلى المغرب في يناير 2019.

هذه الاتصالات والتنسيقات أشير إليها بوضوح في مذكرات ومراسلات سرية تظهر ضغطًا واسعًا ومخططًا لإبرام صفقة إنشاء ميناء القنيطرة الذي تبلغ قيمته 442 مليون أورو، صفقة كانت محل تنافس شديد بين شركات إسبانية، ما جعلها ساحة مفتوحة للفساد والضغط السياسي المتبادل، وفازت به في نهاية المطاف شركة “أكسيونا” التي يطالها التحقيق حاليا.

الوثائق تضمنت صورًا من الزيارة الرسمية نفسها، مرفقة برسائل تحمل تحذيرات بالمحافظة على السرية وعدم نشر المعلومات، مما يعزز فرضية العمل الخفي خلف الكواليس.

رغم ورود أسماء الوزيرين المغربيين في دائرة الاتصالات، فإن التحقيقات الإسبانية لم توجه اتهامات رسمية ضد أي مسؤول مغربي، مكتفية بتسجيل دورهم كجهات اتصال، رغم حجم الأذى الذي قد يسببه هذا الكشف للعلاقات بين البلدين وإثارة مخاوف حول شفافية المشاريع الكبرى وبرامج التعاون الاقتصادي.

تجلت مأساة الفساد في أن شبكة الفساد التي يقال إنها جمعت نحو 6.7 ملايين أورو من العمولات، كانت تسعى لاستغلال علاقات رسمية لتحقيق مصالح خاصة لشركات مثل أكسيونا وسيرفينابار.

المفاوضات والتنظيم لهذا الترتيب تم بين شركتين تضمنت الاتفاق على تقاسم تلك العمولة بنسبة 2% تم توقيعها قبل أيام من زيارة الوزير الإسباني للرباط.

السياسيون الإسبان لم يسلموا من تداعيات الفضيحة، ففيما أدت التحقيقات والتحركات القضائية إلى سجن واستجواب عدة شخصيات، تم الإفراج مؤخرًا عن سيردان بعد أشهر من الاعتقال الاحتياطي، بيد أن مطلب النيابة العامة بإدانة وزير النقل السابق بالسجن لمدة طويلة أبقى القضية مشتعلة في أروقة السياسة والإعلام الإسباني.

في إسبانيا، علّق قادة من المعارضة على القضية بوقع قوي، مع تأكيدهم أن الفساد قوة لا بد من مواجهتها بشدة، فيما حاول الحزب الاشتراكي بزعامة بيدرو سانشيز تقليل حدة الأزمة واعتبارها هجومًا سياسيًا موجهًا ضد الحكومة.

أما في المغرب، فإلى الآن لم يصدر أي توضيح رسمي في الملف،  ولدت هذه القضية جدلًا واسعًا وقلقًا من تأثيرها على العلاقات الثنائية وعلى سمعة المسؤولين المغاربة الذين وردت أسماؤهم، مما أجج النقاش حول مدى ضبط الحكومة المغربية لآليات الشفافية وحمايتها لمشاريعها الوطنية من تأثيرات أجنبية

توسع التحقيقات الإسبانية كشف كذلك عن تورط قيادات بارزة في الحزب الاشتراكي ضمن شبكة دولية للفساد شملت تسع دول، واستخدمت نظامًا ماليًا معقدًا نقل عبره أموالاً غير مشروعة بين حسابات بنكية في المغرب وبنوك دولية أخرى، من بينها حسابات مرتبطة بمجموعة بنكية مغربية.

وفي وقت تستمر التحقيقات في الجانب الاسباني، يظل ملف “قضية كولدو” مفتوحا ويتابع بأنظار المجتمع الدولي والمحلي على حد سواء، مع توقعات بأن تكون تداعياتها خارج الإطار القضائي لتطال أبعادًا استراتيجية تخص الثقة في الحكم والسيطرة على الفساد العابر للحدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى