إفريقيا والشرق الأوسطرئيسية

أزمة مضيق هرمز تعيد شبح ارتفاع أسعار الوقود في السوق المغربية

لم تكن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود بالمغرب، التي بلغت نحو 25 سنتيماً للتر في بداية مارس 2026، مجرد تعديل تقني في منظومة التسعير، بل تعبيراً مباشراً عن موجة اضطرابات جيوسياسية تضرب أسواق الطاقة العالمية وتعيد طرح سؤال الأمن الطاقي للمملكة في سياق اقتصادي دولي شديد التقلب. فقد وصل سعر البنزين في محطات التوزيع إلى حوالي 12.38 درهم للتر، بينما بلغ سعر الغازوال نحو 10.76 درهم، وهو ارتفاع يبدو محدوداً في الظاهر لكنه يعكس سلسلة طويلة من التفاعلات المرتبطة بأسواق النفط الدولية وسلاسل الإمداد العالمية والتوترات الجيوسياسية في الخليج، خصوصاً حول مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.

الاقتصاد المغربي يعد من بين الاقتصادات المستوردة للطاقة بشكل شبه كامل، إذ يستورد أكثر من 90 في المائة من احتياجاته من النفط والمنتجات البترولية، وهو ما يجعل أي تغير في أسعار الخام العالمية ينتقل بسرعة إلى السوق المحلية. وتقدر فاتورة الطاقة في المغرب خلال السنوات الأخيرة بما بين 90 و100 مليار درهم سنوياً بحسب مستويات الأسعار الدولية، وقد ترتفع إلى مستويات أعلى في حال استمرار الارتفاع الحالي في أسعار النفط. هذه الوضعية تجعل المغرب شديد الحساسية تجاه التقلبات في الأسواق العالمية، خاصة وأن تحرير أسعار المحروقات منذ سنة 2015 ربط الأسعار المحلية بشكل شبه مباشر بالتقلبات الدولية.

التوترات الجيوسياسية الأخيرة في الخليج العربي أعادت إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية. فمضيق هرمز الذي يمر عبره ما بين 16 و20 مليون برميل من النفط يومياً يمثل شرياناً حيوياً لسوق الطاقة العالمي، وأي اضطراب فيه يمكن أن يدفع الأسعار العالمية إلى الارتفاع بسرعة كبيرة. وتشير تقديرات المؤسسات المالية الدولية إلى أن أي تعطيل طويل للملاحة في المضيق يمكن أن يضيف ما بين 10 و30 دولاراً إلى سعر برميل النفط خلال فترة قصيرة، وهو ما ينعكس فوراً على الاقتصادات المستوردة للطاقة مثل المغرب.

في الأسابيع الأخيرة ارتفع سعر خام برنت من مستويات قريبة من 80 دولاراً للبرميل إلى حوالي 90 دولاراً، مضاف إليها تأثير المخاطر الجيوسياسية. هذا الارتفاع يبدو محدوداً مقارنة بذروة سنة 2022 التي تجاوز فيها النفط 120 دولاراً، لكنه يحمل دلالات مهمة لأن الأسواق تتحرك حالياً في بيئة تتسم بضعف النمو العالمي وتباطؤ الطلب الصناعي. وبالتالي فإن أي صدمة إضافية في العرض يمكن أن تعيد الأسعار بسرعة إلى مستويات ثلاثية الأرقام.

بالنسبة للمغرب، كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر البرميل تترجم عادة إلى ارتفاع يتراوح بين 30 و50 سنتيماً في سعر اللتر في محطات الوقود، وذلك بعد احتساب تكاليف الاستيراد والنقل والتكرير وهوامش التوزيع والضرائب. وتشكل الضرائب جزءاً مهماً من السعر النهائي للمحروقات في المغرب، حيث تتضمن ضريبة القيمة المضافة ورسوم الاستهلاك الداخلي، ما يجعل السعر المحلي حساساً بشكل مزدوج لارتفاع الأسعار الدولية.

سوق المحروقات في المغرب يقدر بنحو 11 إلى 12 مليار لتر سنوياً، يذهب حوالي 60 في المائة منها إلى قطاع النقل البري بما في ذلك الشاحنات والحافلات وسيارات الأجرة، بينما تتوزع النسبة المتبقية بين الاستهلاك الصناعي والزراعي والاستهلاك الخاص. هذا يعني أن أي زيادة في أسعار الوقود تنتقل بسرعة إلى باقي قطاعات الاقتصاد عبر ارتفاع تكاليف النقل والخدمات اللوجستية.

القطاع اللوجستي المغربي يمثل أحد أكبر المستهلكين للغازوال، إذ يعتمد عليه النقل الطرقي للبضائع الذي يشكل العمود الفقري للتجارة الداخلية. وعندما ترتفع أسعار الوقود ترتفع بالتبعية تكاليف نقل السلع الغذائية والمواد الأولية، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على الأسعار الاستهلاكية. ولهذا السبب غالباً ما ترتبط موجات ارتفاع أسعار الوقود في المغرب بارتفاع تدريجي في أسعار المواد الغذائية.

تجربة سنة 2022 ما زالت حاضرة في الذاكرة الاقتصادية للمملكة، حين أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى قفزة كبيرة في أسعار الطاقة والحبوب، ما دفع التضخم في المغرب إلى مستويات تجاوزت 8 في المائة. كما تجاوز سعر البنزين آنذاك 17 درهماً للتر في بعض الفترات، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ السوق المغربية. وقد اضطرت الحكومة حينها إلى إطلاق برامج دعم استثنائية لقطاع النقل لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار.

الاختلاف الأساسي بين أزمة الطاقة في 2022 والوضع الحالي يتمثل في طبيعة الصدمة. ففي 2022 كانت الأزمة مرتبطة أساساً بتعطل صادرات روسيا من النفط والغاز نتيجة العقوبات الغربية، بينما ترتبط الأزمة الحالية بمخاطر جيوسياسية في منطقة الخليج التي تمثل القلب الحقيقي لإمدادات النفط العالمية. هذا يعني أن أي تصعيد قد يكون تأثيره أوسع بكثير على السوق العالمية.

المغرب مثل العديد من الدول المستوردة للطاقة حاول خلال السنوات الأخيرة تقليص هشاشته عبر تنويع مصادر الطاقة وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة. وقد تمكن بالفعل من رفع حصة الطاقات المتجددة في القدرة الكهربائية المركبة إلى نحو 40 في المائة، مع هدف الوصول إلى 52 في المائة بحلول سنة 2030. مشاريع الطاقة الشمسية والريحية الكبرى أصبحت جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الطاقية للمملكة.

رغم هذا التقدم لا يزال النفط يشكل عنصراً مركزياً في الاقتصاد المغربي خصوصاً في قطاع النقل والصناعة الثقيلة. كما أن المغرب يستورد جزءاً من احتياجاته من الغاز الطبيعي عبر إسبانيا التي تعيد تصدير الغاز القادم من الأسواق العالمية، في حين تعمل الرباط على تطوير بنية تحتية جديدة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال بهدف تنويع مصادر الإمداد وتعزيز الأمن الطاقي.

فاتورة الطاقة تمثل أحد أهم عناصر الضغط على الميزان التجاري المغربي، فارتفاع أسعار النفط يؤدي مباشرة إلى زيادة قيمة الواردات وهو ما قد يضغط على احتياطيات العملة الصعبة. ومع ذلك فإن المغرب يحتفظ حالياً باحتياطيات مريحة من النقد الأجنبي تغطي عدة أشهر من الواردات وهو ما يمنحه هامشاً من الاستقرار في مواجهة الصدمات الخارجية.

إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في الخليج وارتفع سعر النفط إلى حدود 100 دولار للبرميل فمن المرجح أن ترتفع أسعار الوقود في المغرب إلى مستويات قد تتراوح بين 13 و14 درهماً للتر خلال الأشهر المقبلة. أما في سيناريو أكثر تشدداً يتضمن اضطراباً واسعاً في الإمدادات العالمية فقد تعود الأسعار إلى مستويات تقترب من 16 درهماً للتر كما حدث في سنة 2022.

هذا السيناريو سيحمل آثاراً مباشرة على التضخم في المغرب لأن الطاقة تمثل مدخلاً أساسياً في معظم الأنشطة الاقتصادية. وقد يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل وهو ما قد يدفع التضخم إلى مستويات أعلى من التوقعات الحالية التي تدور حول 2 إلى 3 في المائة.

في المقابل يراهن صناع القرار الاقتصادي في المغرب على تسريع التحول الطاقي كخيار استراتيجي طويل المدى. فمشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والريحية قد تقلص تدريجياً الاعتماد على الواردات النفطية كما يمكن أن تحول المغرب إلى مصدر للطاقة النظيفة نحو أوروبا في المستقبل.

لكن على المدى القصير يظل الاقتصاد المغربي مرتبطاً بشكل وثيق بأسواق النفط العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع حاد في الأسعار سيظل ينعكس سريعاً على السوق المحلية وعلى تكلفة المعيشة. وفي هذا السياق تبدو موجة الارتفاع الأخيرة في أسعار الوقود مجرد إشارة أولية إلى مدى هشاشة منظومة الطاقة العالمية وإلى التحديات التي تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة في عالم يتجه نحو مزيد من عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى