
تشهد أسعار الذهب في المغرب خلال شهر فبراير 2026 مرحلة دقيقة تتسم بالارتفاع الملحوظ والتذبذب اليومي المحدود، في سياق عالمي استثنائي دفع المعدن النفيس إلى تسجيل مستويات تاريخية غير مسبوقة. فقد تجاوزت الأونصة في الأسواق الدولية حاجز 5000 دولار خلال الأسابيع الأخيرة، وهو تطور انعكس بشكل مباشر على السوق المغربية التي ترتبط عضوياً بحركة الأسعار العالمية وسعر صرف الدولار.
في النصف الأول من فبراير، تراوح سعر الأونصة في المغرب بين 45,000 و46,200 درهم، مع متوسط يقارب 45,500 درهم حتى 19 فبراير. وسجلت الأونصة في 19 فبراير 45,774 درهماً بارتفاع يومي قدره 0.27% مقارنة باليوم السابق. أما غرام الذهب عيار 24، وهو الأعلى نقاءً، فقد تحرك بين 1,430 و1,475 درهماً، مسجلاً 1,471.86 درهماً في 19 فبراير. في المقابل، بلغ سعر غرام عيار 18، الأكثر تداولاً في الأعراس والمناسبات الاجتماعية، حوالي 1,103.89 درهماً. هذه الأرقام تعكس زخماً سنوياً يناهز 56%، وهو ارتفاع قوي يعكس تحولات جوهرية في المشهد المالي العالمي.
أسعار الذهب.. الأونصة حول 4,990 إلى 5,000 دولار
الذهب في المغرب لا يُسعَّر بمعزل عن العالم. القاعدة الأساسية للتسعير تنطلق من سعر الأونصة بالدولار، الذي يدور حالياً حول 4,990 إلى 5,000 دولار، مضافاً إليه سعر صرف الدولار مقابل الدرهم، والذي بلغ نحو 9.16 دراهم مع ارتفاع شهري يقارب 0.5%. ويؤدي هذا الارتباط المباشر إلى نقل أي تغير عالمي فوراً إلى السوق المحلية.
وعلاوة على ذلك، تفرض الرسوم الجمركية بنسبة 7.5% على السبائك، فيما تخضع المجوهرات لضريبة القيمة المضافة بنسبة 20%. كما تُضاف تكاليف التحويل وهوامش الربح التي تتراوح بين 20 و50 درهماً للغرام الواحد، إضافة إلى المصنعية التي تختلف باختلاف المدن ونوع الحلي، إذ قد تتراوح بين 80 و120 درهماً لعيار 18 في المدن ذات الطابع التقليدي مثل فاس، وتكون أقل نسبياً في الرباط وبعض أحياء الدار البيضاء وطنجة.
الارتفاع الحالي في الأسعار يجد تفسيره في السياق الدولي المتسارع. فقد أدت التوترات الجيوسياسية المتجددة بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب النزاعات في مناطق الشرق الأوسط، إلى تعزيز مكانة الذهب كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين. تاريخياً، كلما تصاعدت المخاطر السياسية والاقتصادية، زاد الإقبال على الذهب باعتباره أداة لحفظ القيمة بعيداً عن تقلبات العملات والأسواق المالية.
كما لعبت البنوك المركزية دوراً بارزاً في دعم الأسعار، إذ تشير التقديرات إلى أن الصين وروسيا وعدداً من الاقتصادات الصاعدة اشترت ما يقارب 1200 طن من الذهب سنوياً لتعزيز احتياطاتها وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي. هذا الطلب المؤسسي الضخم يخلق دعماً هيكلياً للأسعار ويقلص المعروض المتاح في السوق العالمية.
في السياق ذاته، بلغ معدل التضخم في الولايات المتحدة نحو 3.5%، بينما تدور عوائد السندات الأمريكية حول 4%. ورغم أن العائد يبدو جذاباً نسبياً، فإن الذهب يظل أداة تحوط مهمة ضد تآكل القوة الشرائية، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية العالمية. كما ارتفع الطلب في الهند بنسبة 18% خلال موسم الزواج، إضافة إلى زيادة تقارب 12% في الطلب الصناعي، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والإلكترونيات التي تعتمد على الذهب في مكونات دقيقة.
على المستوى المحلي، ارتفع الطلب الاستثماري في المغرب بنحو 15%، مع توجه شريحة متزايدة من المواطنين إلى اقتناء السبائك الصغيرة أو الليرات الذهبية كوسيلة لحماية المدخرات من تقلبات الأسواق. ويأتي ذلك في ظل معدل تضخم محلي يناهز 2.5%، ما يدفع بعض الأسر إلى تنويع أدوات الادخار. كما أن الجالية المغربية المقيمة بالخارج تجد في السوق المحلية خياراً تنافسياً مقارنة ببعض الأسواق الأوروبية التي تفرض تكاليف وضغوطاً ضريبية أعلى.
من الناحية الجغرافية، تختلف مستويات المصنعية بين المدن المغربية. ففي فاس ومراكش، حيث يزدهر الطابع التقليدي للحلي، تكون المصنعية أعلى نسبياً، بينما تسجل الرباط وبعض مناطق الدار البيضاء مستويات أقل. ويظل عيار 18 الأكثر طلباً، إذ يمثل نحو 70% من المبيعات، نظراً لتوازنه بين السعر والمتانة.
وعند مقارنة السوق المغربية بدول المنطقة، يتبين أن أسعار الذهب في دول الخليج تبقى أقل نسبياً بسبب غياب الضرائب أو انخفاضها، في حين تسجل مصر أسعاراً أعلى متأثرة بأزمة سعر الصرف وارتفاع تكاليف الاستيراد. أما الجزائر فتشهد تقلبات مرتبطة بالعرض والقيود المفروضة على الواردات. في هذا السياق، يحتفظ المغرب بموقع متوسط من حيث مستوى الأسعار والاستقرار.
أما بخصوص التوقعات حتى نهاية فبراير 2026، فيطرح المحللون ثلاثة سيناريوهات رئيسية. السيناريو الأول، بنسبة تقديرية تبلغ 35%، يفترض استمرار التوترات الدولية وزيادة مشتريات البنوك المركزية، ما قد يدفع الأونصة إلى حدود 51,000 درهم ويصل غرام عيار 24 إلى نحو 1,640 درهماً. السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً بنسبة 45%، يتمثل في استقرار الأسعار ضمن نطاق يتراوح بين 45,500 و46,500 درهم للأونصة، مع تذبذبات محدودة. أما السيناريو الثالث، بنسبة 20%، فيفترض تراجع الأسعار في حال اتجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى خفض أسعار الفائدة، ما قد يدفع الأونصة نحو 44,000 درهم ويهبط بغرام 24 إلى حوالي 1,415 درهماً.
في ضوء هذه السيناريوهات، يرى عدد من الخبراء أن مستوى 44,000 درهم يمثل نقطة دعم مهمة يمكن أن تشكل فرصة شراء مناسبة للمستثمرين على المدى المتوسط. وينصح بالتركيز على السبائك ذات العيار المرتفع لتقليل تكلفة المصنعية وزيادة مرونة إعادة البيع. أما بالنسبة للمقبلين على الزواج، فإن الاستقرار الحالي قد يكون فرصة مناسبة قبل أي موجة ارتفاع محتملة، خاصة إذا استمرت العوامل الدولية الداعمة.
ويبقى العامل الحاسم في المرحلة المقبلة هو تطور السياسة النقدية الأمريكية وسلوك الدولار في الأسواق العالمية. فأي تغيير مفاجئ في أسعار الفائدة أو في مستوى التضخم قد يعيد رسم خريطة الأسعار سريعاً. كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يمدد الاتجاه الصاعد لفترة أطول.
خلاصة القول إن الذهب في المغرب خلال فبراير 2026 يتحرك ضمن مسار صاعد معتدل تدعمه عوامل عالمية قوية، مع تذبذبات يومية طبيعية لا تغير الاتجاه العام. وبينما يظل الاستثمار في الذهب خياراً تقليدياً للتحوط، فإن اتخاذ القرار يتطلب متابعة دقيقة للأسعار اليومية ومراقبة المؤشرات الاقتصادية الدولية، خاصة سعر صرف الدولار ومعدلات التضخم. وفي ظل المشهد الحالي، يبدو أن السوق يميل إلى الاستقرار الصاعد حتى نهاية الشهر، مع احتمال تسجيل مستويات أعلى إذا استمرت المعطيات العالمية في دعم المعدن الأصفر.






