رئيسيةمتابعات

إدارة الضرائب تطلق حملة تفتيش واسعة للحسابات البنكية لأصحاب المهن الحرة

باشرت إدارة الضرائب خلال الأسابيع الأخيرة حملة رقابية موسعة تستهدف حسابات عدد من أصحاب المهن الحرة، في خطوة تندرج ضمن استراتيجية تعزيز الامتثال الجبائي ومحاربة التملص والغش الضريبي، وذلك وفق ما أوردته جريدة جريدة الصباح في تقارير حديثة. وتأتي هذه التحركات في سياق سعي الإدارة الجبائية إلى تقليص الفجوة بين الضرائب المؤداة فعلياً والطاقة الضريبية الحقيقية لبعض الفئات المهنية، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع العبء الضريبي بين الأجراء الخاضعين للاقتطاع من المنبع وأصحاب الدخول المهنية المصرح بها ذاتياً.

المعطيات المتداولة تفيد بأن فرق التفتيش اعتمدت مقاربة قائمة على تقاطع المعطيات وربط قواعد البيانات، حيث تم رصد تناقضات واضحة بين مستوى معيشة بعض المهنيين وحجم الدخل المصرح به في الإقرارات الضريبية. وقد أظهرت عمليات المطابقة امتلاك عدد من المعنيين لعقارات ذات قيمة مرتفعة أو سيارات فاخرة ومنقولات مهمة، في حين لا تتجاوز المداخيل السنوية المصرح بها أحياناً ما بين 150 ألف و300 ألف درهم. هذا الفارق الكبير دفع المفتشين إلى تعميق التحريات، عبر الاستناد إلى معطيات واردة من الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية بخصوص الملكيات العقارية، ومن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بشأن تسجيل العربات، إضافة إلى معلومات مرتبطة بالحسابات البنكية.

التحقيقات الأولية التي باشرتها فرق إدارة الضرائب كشفت أيضاً وجود تحويلات مالية شهرية من شركات نحو حسابات أشخاص تربطهم عقود توصف بالصورية، لا يظهرون كأجراء مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما يثير شبهة استعمال هذه الحسابات كقنوات لتمرير مداخيل أو تسوية معاملات تجارية لفائدة المالكين الحقيقيين. في بعض الحالات، سُجلت الحسابات بأسماء أبناء أو أقارب، بينما تُستعمل فعلياً في أنشطة مهنية أو تجارية لا تنسجم مع الوضعية الضريبية المعلنة. هذا النمط من المعاملات اعتبرته الإدارة مؤشراً على محاولة توزيع المداخيل وتفتيتها لتقليص الوعاء الضريبي أو الإفلات من نسب تصاعدية أعلى.

من الناحية القانونية، يستند المفتشون إلى مقتضيات المادة 216 من المدونة العامة للضرائب، التي تخول للإدارة، في إطار مسطرة المراقبة، طلب الاطلاع على كشوف الحسابات البنكية للأشخاص المعنيين، بل وحتى للأشخاص المرتبطين بهم عند وجود قرائن جدية على تحويل الأرباح أو إخفائها. كما تسمح النصوص ذاتها بالتحقق من طبيعة النفقات ومستواها مقارنة بالدخل المصرح به، واعتماد ما يعرف بمقاربة “المؤشرات الخارجية للثروة” لتقدير الدخل الحقيقي عند ثبوت اختلالات جوهرية. ولا يقتصر التدقيق على الضريبة على الدخل، بل يمتد إلى مراجعة مدى التصريح السليم بالضريبة على القيمة المضافة، من خلال مطابقة الأتعاب والفواتير مع الخدمات المقدمة فعلياً.

الضرائب المؤداة لدى إدارة الضرائب لا تمثل سوى نحو 9%

وتشير المعطيات الرسمية المتداولة إلى أن الضرائب المؤداة من طرف أصحاب المهن الحرة لا تمثل سوى نحو 9 في المائة من إجمالي موارد الضريبة على الدخل، في مقابل أكثر من 80 في المائة تأتي من اقتطاعات الأجراء والموظفين عبر نظام المنبع. هذا التفاوت يغذي نقاشاً متجدداً حول عدالة النظام الجبائي وفعالية آليات المراقبة، خاصة في ظل توسيع الوعاء الضريبي وارتفاع حاجيات التمويل العمومي.

في ما يتعلق بالعقوبات، تنص المادة 182 من المدونة العامة للضرائب على غرامات مالية تتراوح بين 5.000 و50.000 درهم في حالات الغش الضريبي المتعمد، مع إمكانية مضاعفتها في حالة العود، فضلاً عن عقوبات حبسية قد تمتد من شهر إلى ثلاثة أشهر، دون الإخلال بأداء الضرائب المستحقة وفوائد التأخير والزيادات القانونية. وتشير المعطيات إلى إعداد لوائح بأسماء حالات تعتبرها الإدارة ذات مخاطر مرتفعة، تمهيداً لتسوية وضعيتها أو إحالتها على المساطر الزجرية عند الاقتضاء، مع منح إمكانية اللجوء إلى مسطرة التصالح وفق الضوابط القانونية.

الحملة الحالية التي أطلقتها إدارة الضرائب تندرج ضمن توجه أوسع نحو رقمنة المساطر وتكثيف تبادل البيانات بين الإدارات والمؤسسات العمومية، بما يسمح بالكشف المبكر عن التصريحات غير الدقيقة أو المغلوطة. وتعول الإدارة على أنظمة معلوماتية متقدمة لتحليل المعطيات الضخمة ورصد الأنماط غير الاعتيادية في التصريحات المهنية، في سياق شهد خلال السنوات الماضية حملات مماثلة أسفرت عن تسويات بمبالغ مهمة همّت أطباء ومحامين ومهندسين وغيرهم. ويُنتظر أن تساهم هذه المقاربة، إذا ما استمرت بوتيرة منتظمة ومتوازنة، في تعزيز الامتثال الطوعي وترسيخ مبدأ المساواة أمام الضريبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى