
بقلم: يوسف سعود. صحافي وخبير البيانات
من يصرّ على التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة فقط، يفشل في إدراكه كبنية تحتية فكرية جديدة تنتج المعنى وتحدد القيمة. ففي المجال الإعلامي مثلاً، ينتصر الذكاء الاصطناعي للصحافيين المنتجين للأفكار والتحليل، ويرفع من قيمتهم المهنية.
نحن نعيش لحظة مفصلية يتجاوز فيها التحول الرقمي مجرد تطور تقني إلى تحول بنيوي شامل يعيد صياغة علاقات الإنتاج وأنماط العمل وتوزيع السلطة الرمزية والمادية معاً. فبينما استغرق الانتقال من المجتمع الزراعي إلى الصناعي قروناً، يحدث الانتقال الجاري نحو مجتمع البيانات بسرعة غير مسبوقة، مدفوعاً بالقفزات الهائلة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والهندسة اللغوية التوليدية.
لم تعد أدوات الإنتاج الإعلامي والإبداعي تحتاج إلى مهارات تقنية معقدة كما كان الحال في العقود الماضية، إذ يمكن اليوم توليد محتوى بصري عالي الجودة من نصوص مكتوبة فقط، من دون حاجة إلى تصوير أو إضاءة أو مونتاج أو حتى فرق عمل.
نحن أمام انتقال من الإنتاج باليد إلى الإنتاج بالعقل، ومن تقنيات التنفيذ إلى هندسة التوجيه، حيث تتحدد القيمة بمن يمتلك القدرة على صياغة الأوامر الذكية وتحويلها إلى محتوى متكامل.
هذا التحول لا يزيح الأدوات القديمة فحسب، بل يهدد بإعادة هيكلة المؤسسات غير القادرة على مواكبته. فوسائل الإعلام التي تفتقر إلى المرونة المعرفية والبنيوية اللازمة ستجد نفسها خارج المعادلة الجديدة.
لم يعد كافياً إنتاج محتوى عالي الجودة؛ المطلوب اليوم محتوى ذكي، مخصص، قادر على التفاعل مع السياقات والسلوكيات في الزمن الحقيقي.واجهات التفاعل بين الإنسان والتكنولوجيا تغيّرت كثيراً.
فالهاتف الذكي، الذي كان محور الحياة الرقمية طوال سنوات، بات مهدداً بالاختفاء التدريجي. لم تعد الحاجة ملحّة إلى جهاز مادي وسيط، بعدما أصبح بالإمكان التفاعل مع أنظمة ذكاء اصطناعي شخصية تعتمد على الصوت أو الرؤية أو حتى الإشارات العصبية المباشرة.
نحن أمام ولادة نظام بيئي جديد، لا مركزي وغير مرئي، يعيد تعريف مفهوم الجهاز والوسيط، ويمهد لمرحلة ما بعد الشاشة.
من الضروري التوقف عن النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة فقط، والبدء في فهمه كبنية فكرية تنتج المعنى وتعيد تعريف الإبداع. فالإبداع لم يعد حكراً على الفنان أو التقني، بل أصبح متاحاً لمن يدرك كيفية تفكير النماذج، وكيفية تغذيتها وتوجيهها وتقييم مخرجاتها.
لهذا تبرز الحاجة إلى جيل جديد من المتخصصين يجمعون بين المعرفة التقنية العميقة، والقدرة على صياغة استراتيجيات تحولية، والوعي النقدي بأسئلة الأخلاق والمعرفة والسلطة.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد مرحلة من مراحل التطور التكنولوجي، بل تحول جذري في البنية المعرفية والثقافية للمجتمعات.
وإذا كان الانتقال من المجتمع الزراعي إلى الصناعي قد غيّر شكل المدن وأدوار الأفراد وموقع العمل في الحياة اليومية، فإن الانتقال إلى مجتمع البيانات يغير أنماط الإدراك ومعايير الحقيقة وتعريف الهوية ذاتها.
نحن بصدد انتقال من عالم تنظمه القوانين والمؤسسات إلى عالم تنظمه الخوارزميات والنماذج التنبؤية.التحدي الأكبر لا يكمن في مواكبة هذه الثورة، بل في فهمها وتوجيهها، وامتلاك الوعي القادر على إعادة هندسة موقع الإنسان داخلها.
ما نحتاجه اليوم ليس مهارات جديدة فحسب، بل أنماط تفكير جديدة تعيد صياغة علاقتنا بمجتمع البيانات.






