
تستعد الحكومة المغربية لإطلاق مرحلة جديدة في تدبير الديون البنكية المتعثرة، في خطوة تبدو من أهم التحولات التي سيشهدها القطاع المالي في البلاد خلال العقد الحالي. مشروع القانون الذي نشرته الأمانة العامة للحكومة ويعرض حالياً على الرأي العام للنقاش، يقترح إنشاء سوق ثانوية منظمة للديون المتعثرة، وهو مفهوم جديد نسبيًا في التجربة المغربية لكنه شائع في العديد من الأنظمة المصرفية العالمية، خصوصًا بعد الأزمات المالية التي دفعت البنوك إلى البحث عن آليات لتحرير السيولة وتحسين جودة أصولها. تكمن الفكرة الأساسية في تمكين البنوك من بيع جزء من القروض غير المسددة إلى مؤسسات أو مستثمرين متخصصين، مقابل سعر يتم التفاوض عليه، ما يتيح للبنوك فرصة التخلص من الأصول غير المنتجة، ويمنح المستثمرين فرصة لتحقيق عوائد محتملة من خلال إدارة هذه الديون أو إعادة هيكلتها.
الديون المتعثرة ليست مجرد أرقام تظهر في التقارير المالية أو المؤشرات المصرفية، بل هي قصص حقيقية لأفراد وشركات فقدوا القدرة على السداد نتيجة ظروف اقتصادية صعبة، أو سوء إدارة مالية، أو تراكم أعباء مالية على مدى سنوات طويلة. وفق بيانات رسمية حديثة، بلغ حجم الديون المتعثرة لدى البنوك المغربية أكثر من 100.5 مليار درهم بنهاية سنة 2025، وهو ما يمثل نحو 9 في المائة من إجمالي القروض الممنوحة، مع ارتفاع هذا المعدل بنحو 80 في المائة خلال العقد الماضي. هذه الأرقام تشير إلى وجود اختلالات بنيوية في كيفية إدارة الديون المتعثرة، سواء على مستوى البنوك أو على مستوى الإطار القانوني والتنظيمي، الأمر الذي دفع الحكومة إلى التفكير في حلول مبتكرة تسمح بتحرير الموارد المالية المجمدة دون المساس باستقرار النظام المالي أو حقوق المقترضين.
مشروع القانون الجديد يقوم على آلية السوق الثانوية، وهي سوق منظمة تسمح للبنوك ببيع ديونها المتعثرة لمستثمرين مرخصين، الذين يمتلكون خبرة في إدارة هذه النوعية من الأصول. في المقابل، تسعى هذه المؤسسات إلى تحصيل الدين أو إعادة هيكلته بحيث يكون هناك احتمال أكبر لاسترداد جزء من المبلغ المستثمر. هذه العملية تعكس مبدأ توزيع المخاطر، حيث تنتقل مسؤولية إدارة الدين من البنك الذي يواجه عبء هذه الأصول الثقيلة، إلى جهة متخصصة يمكنها استخدام أدوات مالية وقانونية متقدمة للتعامل معها. الفكرة ليست جديدة عالميًا؛ ففي أوروبا وأمريكا بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، لعبت شركات إدارة الأصول المتعثرة دورًا محوريًا في تقليص حجم القروض المتعثرة لدى البنوك، وهو ما سمح للبنوك بتحرير موارد ضخمة وإعادة توجيهها نحو تمويل الاقتصاد الحقيقي.
الديون المتعثرة.. من يضمن حقوق المقترضين؟
لكن تطبيق هذا النموذج في المغرب يتطلب معالجة العديد من التفاصيل الدقيقة، ليس أقلها حماية حقوق المقترضين. عندما يتم بيع الدين لمستثمر جديد، يصبح هذا الأخير هو الدائن القانوني، لكنه لا يحصل على صلاحيات جديدة خارج العقد الأصلي أو القانون. لا يمكن له فرض فوائد إضافية أو شروط جديدة بشكل تعسفي. لضمان ذلك، يشترط مشروع القانون أن تكون الجهات التي تشتري الديون متخصصة ومرخصة وخاضعة للرقابة الصارمة من بنك المغرب والهيئات المالية المعنية. هذا يشمل الالتزام بمعايير الشفافية والإفصاح، وإبلاغ المقترض بشكل واضح بهوية الدائن الجديد وطرق التواصل المتاحة وحقوقه القانونية.
بالإضافة إلى ذلك، يحدد المشروع طرق التحصيل المسموح بها بوضوح. يُمنع الاتصال المتكرر في أوقات غير مناسبة، أو التهديد، أو نشر معلومات خاصة عن الدين، أو القيام بزيارات غير قانونية لمنازل المقترضين. يُعتمد بدلاً من ذلك قنوات رسمية، مثل الإشعارات الكتابية واللجوء إلى المساطر القضائية، لضمان حماية حقوق الأفراد ومنع الممارسات التعسفية. كما يشترط القانون إعلام المقترضين بعملية البيع خلال مدة زمنية محددة، وهو ما يضمن الوضوح ويمنع أي غموض حول الجهة الدائنة الجديدة.
الجانب القضائي يظل محورياً. لا يمكن لأي مستثمر أو مؤسسة الحجز على ممتلكات المقترض أو حسابه البنكي من تلقاء نفسه. أي إجراء من هذا النوع يتطلب حكمًا قضائيًا بعد إثبات عدم السداد. يتم تنفيذ الحجز عبر مفوض قضائي، وقد يشمل الحجز على الحسابات البنكية، أو الأجور، أو الممتلكات المنقولة وغير المنقولة مثل السيارات أو العقارات، ضمن حدود قانونية محددة لضمان بقاء حد أدنى للمعيشة. هذه الإجراءات تعكس التوازن الدقيق الذي يسعى المشروع لتحقيقه بين مصالح البنوك والمستثمرين وحقوق الأفراد.
جانب آخر مهم يتعلق بالتأثير على السلوك الائتماني للمقترضين. وجود سوق ثانوية للديون المتعثرة قد يدفع الأفراد والشركات إلى الانضباط أكثر في السداد، إذ يدركون أن أي تأخير قد يؤدي إلى التعامل مع جهة متخصصة أكثر صرامة. في المقابل، قد يولد هذا القلق بين الفئات الهشة أو الشركات الصغيرة التي تواجه صعوبات مؤقتة، ما يستدعي وجود برامج دعم وإعادة هيكلة لتخفيف العبء على هؤلاء. كما أن السوق الثانوية يمكن أن تؤثر على أسعار وشروط الائتمان، فالبنوك، بعد معرفة وجود آلية لتحويل الديون المتعثرة، قد تعيد تقييم المخاطر، مما يؤدي إلى رفع أسعار الفائدة أو تشديد شروط الإقراض، خصوصًا للمقترضين ذوي الجدارة الائتمانية الضعيفة.
التأثير الاقتصادي لهذا المشروع يمتد إلى القطاع البنكي نفسه. من خلال تحرير موارد مالية كانت مجمدة في ديون متعثرة، يمكن للبنوك زيادة منح القروض الجديدة، خصوصًا للشركات الصغيرة والمتوسطة، ما ينعكس إيجابًا على النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة. كما أن دخول مستثمرين جدد في سوق الديون المتعثرة قد يؤدي إلى تطوير صناعات وخدمات مالية جديدة، مثل تقييم الديون، وإعادة هيكلة الشركات المتعثرة، وتقديم خدمات استشارية، ما يعزز عمق السوق المالية المغربية ويزيد تنوع أدواتها.
الأثر الاجتماعي والنفسي لا يقل أهمية. الديون المتعثرة غالبًا ما تنشأ عن صدمات اقتصادية كبيرة مثل فقدان الوظيفة، أو تراجع مداخيل الشركات، أو أحداث غير متوقعة. لذلك، يجب التعامل معها بطريقة تراعي البعد الإنساني، عبر برامج إعادة التأهيل المالي، والتسهيلات لإعادة هيكلة الديون، والتوعية المالية، وهو ما يسعى المشروع الجديد إلى تحقيقه ضمن الإطار القانوني والتنظيمي المقترح.
على المستوى الدولي، التجارب المتقدمة أظهرت أن نجاح السوق الثانوية للديون المتعثرة يعتمد على ثلاثة عناصر: الأول، إطار قانوني واضح يحمي حقوق المقترضين ويضمن نزاهة المستثمرين؛ الثاني، رقابة فعالة من قبل السلطات المالية لضمان الامتثال؛ الثالث، شفافية تامة في العملية لضمان معرفة جميع الأطراف بحقوقهم وواجباتهم. أي قصور في أحد هذه العناصر قد يؤدي إلى ممارسات تعسفية أو اضطرابات اجتماعية أو تدهور سمعة السوق المالية.
في المغرب، التجربة المستقبلية لهذه السوق تتطلب إدراك هذه الأبعاد، مع مراقبة مستمرة من بنك المغرب لضمان التوازن بين مصالح البنوك والمستثمرين والمقترضين. كما يجب النظر إلى الأثر الثقافي، إذ أن نشر ثقافة احترام الالتزامات المالية والشفافية في التعامل مع القروض يمكن أن يعزز المسار المالي للأفراد والشركات على المدى الطويل، ويقلل من معدلات التعثر مستقبلاً.
إضافة إلى ذلك، هناك أبعاد أخرى متعلقة بالاستقرار المالي الكلي. تحرير الموارد المالية من الديون المتعثرة يقلل من الحاجة إلى تدخلات متكررة للبنك المركزي، مثل ضخ السيولة الطارئة أو ضمان استقرار النظام المصرفي، وهو ما يقلل من المخاطر المرتبطة بالتمويل البنكي ويعزز ثقة المستثمرين في النظام المالي المغربي. كما أن ظهور فاعلين جدد متخصصين في إدارة الأصول المتعثرة قد يحفز المنافسة، ويخلق فرص عمل في قطاع الخدمات المالية، ويعزز الابتكار في أساليب التحصيل وإعادة الهيكلة.
التحدي الآخر يتعلق بكيفية دمج هذه السوق ضمن الإطار القانوني المغربي بشكل متكامل، بحيث تشمل جميع أنواع القروض، سواء الاستهلاكية أو العقارية أو القروض الممنوحة للشركات. هذا يستلزم تطوير تشريعات دقيقة تحدد حقوق وواجبات جميع الأطراف، وتضع معايير لحماية الأفراد والشركات من أي ممارسات قد تُشكل تهديدًا للاستقرار الاجتماعي أو الاقتصادي.
من جانب آخر، الأبحاث الاقتصادية تشير إلى أن تطبيق هذا النموذج بشكل فعال يمكن أن يساهم في تخفيض حجم الديون المتعثرة، وزيادة السيولة المتاحة لتمويل الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يمثل فرصة لتخفيف الضغوط على الميزانيات العمومية، خصوصًا في سياق ارتفاع الاحتياجات التمويلية للاستثمار والبنية التحتية. كما أن هذا المشروع يعكس نهجًا جديدًا في السياسة المالية، يعتمد على مشاركة القطاع الخاص في إدارة المخاطر، بدل تحميل البنوك وحدها أعباء الأصول المتعثرة.
في المحصلة، يمكن النظر إلى مشروع القانون على أنه خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة ترتيب العلاقة بين البنوك والمقترضين والمستثمرين، وتحقيق توازن دقيق بين حماية النظام المالي وتعزيز حقوق الأفراد، وبين تحرير السيولة لدعم النشاط الاقتصادي، مع أخذ البعد الاجتماعي والثقافي بعين الاعتبار. نجاح هذه الآلية يعتمد على التطبيق الدقيق للقوانين، ومراقبة الجهات الرقابية، وإشراك جميع الأطراف المعنية لضمان أن تكون السوق الثانوية للديون المتعثرة أداة لتعزيز متانة النظام البنكي، وتحسين الأداء الاقتصادي، وتطوير الثقافة المالية في المجتمع.






