سنة 2025 كانت، بلا شك، سنة استثنائية لـ السياحة المغربية من حيث النتائج الكمية: أعداد الوافدين، الليالي السياحية، وحجم العائدات بالعملة الصعبة. كلها مؤشرات أكدت أن هذا القطاع أصبح أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، بمساهمة تناهز 7% من الناتج الداخلي الخام، وفق أحدث معطيات الحساب المندمج للسياحة. ومع ذلك، فإن طريقة التعامل مع هذه الأرقام تكشف مفارقة مقلقة: أداء قوي على مستوى النتائج، يقابله ضعف واضح في التحليل والاستغلال الاستراتيجي للمعطيات.
يقوم المرصد الوطني للسياحة اليوم بدور محوري في رصد مؤشرات أساسية، من الوافدين إلى الليالي إلى العائدات، ويساهم في تقريب المعلومة الخام من الفاعلين العموميين والخواص. غير أن الاقتصار على نشر الأرقام، من دون بناء قراءة تركيبية عميقة لأثر السياحة على التشغيل، وعلى التماسك الاجتماعي، وعلى التحولات المجالية والبيئية، يجعل جزءاً كبيراً من القيمة المعرفية يتبخر قبل أن يتحول إلى قرارات. من هنا تبرز أهمية تزاوج عمل المرصد مع مقاربة الحساب المندمج للسياحة التي تقودها المندوبية السامية للتخطيط، والتي أظهرت ارتفاع مساهمة السياحة في الناتج الداخلي الخام إلى 7,3% سنة 2024، لكنها ما تزال بحاجة إلى تنزيل عملي داخل دورة القرار العمومي والمهني.
حكامة السياحة المغربية: حضور محدود للقطاع الخاص
على مستوى التمويل والحكامة، تبرز مفارقة أخرى: ميزانية تناهز 10 ملايين درهم، تموَّل أساساً من وزارة السياحة بنسبة 90%، مقابل حضور محدود للقطاع الخاص، رغم أن رئاسة المرصد تؤول تقليدياً إلى شخصية من المهنيين. هذا الاختلال يعكس ثقافة لا تزال تعتبر المعلومة «شأناً عمومياً» أكثر منها رأسمالاً مشتركاً ينبغي أن يُستثمر فيه الجميع. حين يكتفي القطاع الخاص بدور المتلقي السلبي للبيانات، ويتردد في تمويل إنتاجها وتطوير أدوات تحليلها، فإنه يحرم نفسه من أداة استراتيجية للتخطيط والاستثمار.
في المقابل، تنتج عدة مؤسسات عمومية وشبه عمومية معطيات ودراسات حول السياحة، من بينها الشركة المغربية للهندسة السياحية، والمكتب الوطني المغربي للسياحة، والوزارة الوصية، والكونفدرالية الوطنية للسياحة. لكن، في غياب منظومة منسقة لتجميع هذه المعطيات ضمن لوحة قيادة موحدة، تبقى المعلومة مجزأة، يصعب تتبعها، ويصعب أكثر تحويلها إلى رؤية مشتركة. والسؤال الجوهري هنا: هل تكمن المشكلة في نقص المعلومة أم في ضعف قنوات نقلها وتقاسمها؟ في الواقع، يبدو أن الخلل الأكبر يوجد في «الهندسة المعلوماتية» للقطاع، أكثر منه في حجم البيانات المتاحة.
من هنا تبرز أهمية إحداث مراصد جهوية للسياحة، قادرة على إنتاج تحليل استراتيجي دوري لكل جهة، يدمج بين المعطيات السياحية الصرفة ومعطيات التهيئة الترابية، والبنيات التحتية، وحركية الاستثمار، وسلوك السوق. فاعتماد مقاربة جهوية حقيقية في قراءة الأرقام سيُظهر بوضوح أن دينامية مراكش ليست هي دينامية فاس أو الداخلة أو طنجة، وأن توجيه العرض السياحي يقتضي فهم خصوصيات كل مجال ترابي بدل الاكتفاء بتقارير وطنية إجمالية. هذا التصور كفيل بتحويل المرصد الوطني إلى «منصة ذكاء ترابي»، بدل أن يظل مجرد بنك للأرقام.
في الأفق، يجري تداول أهداف طموحة جداً: أكثر من 30 مليون زائر، و200 مليار درهم من العائدات، ومليون منصب شغل مباشر، ومساهمة تتراوح بين 10 و12% من الناتج الداخلي الخام. هذه الأهداف تتجاوز ما تنص عليه حتى خارطة الطريق 2023-2026، التي تستهدف 17,5 مليون سائح و120 مليار درهم من العائدات في أفق 2026، خاصة بعد تسجيل عائدات قياسية سنة 2025. غير أن بلوغ سقف 30 مليون زائر لن يكون نتيجة الحملات الترويجية وحدها، بل ثمرة قدرة المنظومة على تحويل كل رقم، وكل مؤشر، وكل اتجاه، إلى قرارات ملموسة في مجالات الاستثمار، والتهيئة، وتكوين الموارد البشرية، وتوجيه الخطوط الجوية، وتطوير المنتج السياحي.
في النهاية، يظل السؤال الحاسم: هل يواكب «ذكاء المعلومة» اليوم «ذكاء الإنجاز» في السياحة المغربية؟ إذا كانت الأرقام القياسية لسنة 2025 تثبت أن المغرب قادر على المنافسة ضمن الوجهات العالمية الكبرى، فإن الطريقة التي ننتج بها بياناتنا، ونحللها، ونتقاسمها، ونحوّلها إلى سياسات، هي التي ستحدد ما إذا كان القطاع سيحافظ على هذا المسار الصاعد أم سيصطدم بسقف جديد. فالإصلاح الحقيقي لا يمر فقط عبر زيادة الميزانيات الترويجية، بل عبر بناء ثقافة مؤسساتية تعتبر المعلومة السياحية «بنية تحتية استراتيجية» لا تقل أهمية عن المطارات والطرق السريعة.






