رئيسيةستارت آب

الشركات الناشئة المغربية تفتتح 2026 بقوة وتلفت أنظار المستثمرين

افتتح المغرب سنة 2026 بأداء لافت في مجال تمويل الشركات الناشئة، بعدما تمكن خلال شهر يناير من استقطاب نحو 17 مليون دولار عبر صفقتين فقط، في مؤشر قوي على تنامي جاذبية السوق المغربية داخل منظومة الابتكار الإقليمي. هذا الرقم منح المملكة موقعًا متقدمًا ضمن تصنيف دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، متجاوزة عدة أسواق تقليدية، ومؤكدًا قدرتها على استقطاب الاستثمار خارج مراكز التمويل الكبرى المعتادة.

 

الشركات الناشئة تجمع 563 مليون دولار

ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي اتسم بعودة تدريجية للنشاط الاستثماري، إذ بلغ إجمالي التمويلات التي جُمعت في المنطقة خلال يناير 563 مليون دولار موزعة على 42 صفقة، مسجلًا ارتفاعًا حادًا مقارنة بديسمبر 2025، رغم بقائه دون مستويات الفترة نفسها من السنة الماضية. ويعكس هذا التفاوت اختلاف وتيرة التعافي بين الدول والقطاعات، مع استمرار هيمنة الإمارات التي تصدرت المشهد بتمويلات تجاوزت 426 مليون دولار، تلتها السعودية بما يقارب 56 مليون دولار، مقابل بروز المغرب كأحد أبرز الأسواق الصاعدة خارج هذا المحور التقليدي.

ويُعزى هذا الزخم المغربي إلى تلاقي عدة عوامل، في مقدمتها تنزيل استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، التي رُصد لها غلاف مالي يناهز 1.3 مليار درهم لدعم منظومة الشركات الناشئة، بهدف إحداث ألف شركة جديدة في أفق 2026 وثلاثة آلاف شركة بحلول 2030. وترتكز هذه الاستراتيجية على تحفيز التمويل عبر صناديق الاستثمار المخاطر، بدعم من مؤسسات عمومية كصندوق محمد السادس للاستثمار وصندوق الإيداع والتدبير و«تمويلكم»، بما يعزز ثقة المستثمرين في السوق المحلية.

وفي هذا الإطار، تم إطلاق آلية جديدة خلال نهاية 2025 لتغطية مخاطر الخسارة الأولى لفائدة صناديق الاستثمار الموجهة للشركات الناشئة، وهو ما يشكل تحولًا نوعيًا في مقاربة تمويل المراحل الأولى ومرحلة النمو. وقد جرى اختيار تسع شركات لتدبير صناديق استثمار بقيمة إجمالية تناهز 2.5 مليار درهم، تغطي مراحل التمويل ما قبل البذرة والبذرة والسلسلة «أ»، في خطوة تروم سد فجوة التمويل التي تعاني منها الشركات الناشئة الواعدة.

وعلى مستوى القطاعات، تواصل التكنولوجيا السياحية ترسيخ موقعها كأكثر المجالات جذبًا للتمويل، مستفيدة من الدينامية القوية التي يعرفها القطاع السياحي الوطني. فقد استحوذ هذا المجال على أكثر من نصف التمويلات المسجلة خلال 2024، مدفوعًا بصفقات كبرى أبرزها تمويل شركة Nuitée في جولة السلسلة «أ»، في سياق يعكس ثقة المستثمرين الدوليين في الإمكانات السياحية للمغرب، الذي استقبل أعدادًا قياسية من السياح خلال السنة الماضية.

وتأتي التكنولوجيا المالية في المرتبة الثانية من حيث عدد الصفقات، مستفيدة من الحاجة المتزايدة إلى حلول الدفع والخدمات الرقمية في اقتصاد لا تزال المعاملات النقدية تشكل فيه نسبة مهمة. وقد برزت في هذا المجال شركات مغربية نجحت في جذب تمويلات معتبرة وتوسيع نشاطها إقليميًا، سواء عبر حلول موجهة للتجار الصغار أو من خلال منصات رقمية متعددة الخدمات تستهدف تعزيز الشمول المالي والرقمي.

كما سجلت قطاعات أخرى حضورًا متناميًا، من بينها اللوجستيك والتنقل، مدفوعة بتوسع المدن وتطور التجارة الإلكترونية، إلى جانب التكنولوجيا الزراعية التي تحظى بدعم خاص في ارتباط بقضايا الأمن الغذائي وسلاسل التوزيع. وبرزت كذلك حلول البرمجيات الموجهة للشركات والديب تيك، خاصة تلك التي تتجه بخدماتها نحو الأسواق الإفريقية الناطقة بالفرنسية، مستفيدة من موقع المغرب كبوابة إقليمية للابتكار.

أما التكنولوجيا الصحية والتكنولوجيا التعليمية فما تزالان في مراحل نمو أولية، مع توسع تدريجي يعكس التحولات التي عرفها الطلب على الخدمات الرقمية بعد جائحة كوفيد-19، في حين يشق قطاع الألعاب والتكنولوجيا الإبداعية طريقه كأحد مجالات التميز، بدعم عمومي يروم تحويل المغرب إلى قطب إقليمي في هذا المجال عبر برامج تكوين وتحفيز موجهة للشباب.

وعلى الصعيد الإقليمي، يتقاطع التوجه المغربي مع هيمنة قطاع التكنولوجيا المالية والعقارات الرقمية على الجزء الأكبر من التمويلات خلال يناير 2026، ما يفتح المجال أمام صفقات مغربية محتملة في هذه القطاعات خلال الأشهر المقبلة. وفي السياق نفسه، واصلت المنظومة الريادية الوطنية توسعها، مسجلة نموًا ملحوظًا خلال 2025، مع تحسن ترتيب المغرب عالميًا وإفريقيًا من حيث عدد الشركات الناشئة وحجم التمويلات التراكمية، بدعم من إصلاحات تنظيمية شملت تحفيزات ضريبية وأطرًا قانونية ورقمية أكثر مرونة.

ورغم هذا التقدم، لا يزال حجم التمويل الإجمالي دون مستوى الدول الإفريقية الرائدة، خاصة في مراحل النمو المتوسطة التي تتطلب استثمارات أكبر، وهي فجوة تسعى السلطات العمومية إلى معالجتها عبر تدخلات صندوق محمد السادس للاستثمار. ويهدف هذا التوجه إلى دعم بروز شركات ذات نمو مرتفع خلال السنوات القليلة المقبلة، ووضع أسس اقتصاد رقمي قادر على المساهمة بشكل ملموس في الناتج الداخلي الإجمالي، بما يعزز طموح المغرب في التموقع كقطب إقليمي للابتكار وريادة الأعمال في إفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى