رئيسيةستارت آب

الشركات الناشئة.. المغرب خارج صفقات فبراير رغم انتعاش التمويل في إفريقيا مطلع 2026

لم يسجل المغرب أي جولات تمويلية بارزة لفائدة الشركات الناشئة خلال شهر فبراير الماضي، في وقت عرفت فيه الساحة الإفريقية انتعاشاً ملحوظاً في تدفقات رأس المال المخاطر مع بداية السنة، وهو ما وضع المملكة في موقع المتابع داخل مشهد استثماري يتسم بإعادة توزيع جغرافي واضحة لمراكز الجذب.

وتُظهر المعطيات المستقاة من تحليلات منصة Tech in Africa، المبنية على قاعدة بيانات Africa: The Big Deal، أن هذا الغياب يظل ظرفياً أكثر منه بنيوياً، بالنظر إلى استمرار تموقع المغرب ضمن أفضل الأنظمة الإيكولوجية للشركات الناشئة في القارة.

وخلال فبراير 2026، بلغت قيمة التمويلات الموجهة للشركات الناشئة الإفريقية نحو 272 مليون دولار، موزعة على ما لا يقل عن 40 شركة جمعت كل واحدة منها أكثر من 100 ألف دولار، مسجلة بذلك ارتفاعاً يقارب 56 في المائة مقارنة بشهر يناير من السنة نفسها. هذا التحسن يعكس عودة تدريجية لثقة المستثمرين بعد بداية سنة حذرة، كما يؤشر على استمرار اهتمام الصناديق الدولية بالفرص التي تتيحها الأسواق الإفريقية، خاصة في ظل التحولات الرقمية والطاقية التي تشهدها القارة.

وقد تركزت الحصة الأكبر من هذه الاستثمارات في عدد محدود من الدول، على رأسها مصر التي استقطبت الشركات الناشئة حوالي 64 مليون دولار، تليها كل من البنين وكوديفوار   وجنوب إفريقيا، ما يعكس تحول هذه الأسواق إلى مراكز إقليمية لرأس المال المخاطر. وقد استحوذت قطاعات التكنولوجيا المالية والخدمات اللوجستية والتعليم الرقمي والطاقة النظيفة على النصيب الأكبر من التمويلات، في ظل الطلب المتزايد على حلول مبتكرة تستجيب لتحديات البنية التحتية والخدمات الأساسية.

ومن زاوية التوزيع الجغرافي، كشفت نفس المعطيات المتعلقة بتمويل الشركات الناشئة عن تحولات لافتة في خريطة التمويل داخل القارة، حيث استحوذت دول غرب إفريقيا على أكثر من 53 في المائة من إجمالي التمويلات خلال فبراير، مقابل حوالي 24 في المائة لشمال إفريقيا و21 في المائة لإفريقيا الجنوبية، في حين تراجعت حصة إفريقيا الشرقية إلى نحو 3 في المائة فقط، بعد أن كانت من أبرز الأقطاب الاستثمارية خلال سنة 2025. هذا التحول يعكس إعادة تموقع المستثمرين نحو أسواق جديدة أقل تشبعاً وأكثر دينامية من حيث فرص النمو.

في هذا السياق، برز غياب المغرب عن قائمة الصفقات الكبرى خلال الشهر، دون أن يعني ذلك تراجعاً في جاذبية نظامه الإيكولوجي، إذ تشير مختلف المؤشرات إلى أن المملكة تواصل تعزيز بنيتها الداعمة للابتكار وريادة الأعمال، خصوصاً في مدن مثل الدار البيضاء والرباط، حيث تتزايد حاضنات المشاريع ومسرعات الأعمال وصناديق الاستثمار المحلية والإقليمية.

وعلى مستوى الأداء السنوي، تُظهر البيانات أن إجمالي التمويلات الموجهة للشركات الناشئة الإفريقية خلال الشهرين الأولين من 2026 تجاوز 446 مليون دولار، مقارنة بـ417 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، أي بزيادة تقارب 7 في المائة، ما يؤكد أن المنحى العام للسوق يظل إيجابياً رغم التباينات الشهرية. كما يلاحظ توجه متزايد نحو اعتماد أدوات تمويل بديلة، مثل الدين والتمويل الهجين، إلى جانب الاستثمارات التقليدية في رأس المال، وهو ما يمنح مرونة أكبر للشركات الناشئة في تدبير نموها.

في المقابل، يبرز التحدي الرئيسي للمغرب في قدرته على تحويل هذا الزخم القاري إلى فرص ملموسة لفائدة الشركات الناشئة، خاصة أن أغلب الجولات التمويلية التي تستفيد منها هذه الشركات تظل في مستويات متوسطة مقارنة بالصفقات الكبرى المسجلة في دول مثل مصر أو جنوب إفريقيا. ويرتبط هذا الوضع بعدة عوامل، من بينها محدودية عدد الصناديق ذات القدرة على ضخ استثمارات كبيرة، إضافة إلى الحاجة لتسريع قابلية توسع الشركات المغربية نحو أسواق إفريقية أوسع.

الشركات الناشئة المغربية .. برامج لتعزيز التمويل

وفي إطار مواجهة هذه التحديات، أطلقت السلطات العمومية مجموعة من المبادرات الرامية إلى تعزيز التمويل والبنية التحتية للابتكار، من بينها استراتيجية   المغرب الرقمي 2030 التي تتضمن خطة استثمارية تناهز 1.3 مليار درهم، وتهدف إلى إحداث 1000 شركة ناشئة في أفق 2026 و3000 شركة بحلول 2030. كما تعمل مؤسسة “تمويلكم” على تنفيذ برنامج “Startup Venture Building”، الذي يستهدف دعم أكثر من 800 شركة ناشئة خلال ثلاث سنوات، مع تعبئة غلاف مالي يتجاوز 700 مليون درهم مخصص للتمويل والمواكبة.

وتعكس هذه البرامج إرادة واضحة لتقوية تموقع المغرب داخل الاقتصاد الرقمي الإفريقي، غير أن تحقيق أثرها الكامل يظل رهيناً بمدى تكاملها مع المبادرات الخاصة، وقدرة الفاعلين على خلق جسور مع مستثمرين دوليين، خاصة من غرب وجنوب القارة، حيث تتسارع وتيرة التمويلات. كما يظل تشجيع نماذج أعمال قابلة للتوسع الإقليمي أحد المفاتيح الأساسية لتمكين الشركات الناشئة المغربية من جذب استثمارات أكبر والعودة بقوة إلى واجهة المشهد الإفريقي.

وبينما تستمر القارة في إعادة تشكيل خريطتها الاستثمارية، يجد المغرب نفسه أمام فرصة لإعادة التموضع عبر تسريع إصلاحاته وتعزيز تنافسية منظومة الشركات الناشئة، بما يسمح له بالانتقال من موقع المتابع الظرفي إلى فاعل رئيسي في دينامية “الابتكار الإفريقي” التي تشهد تسارعاً غير مسبوق منذ بداية 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى