
أعلنت الصين دخول قرار إعفاء جمركي كامل، بصفر رسوم، على جميع الواردات القادمة من 53 دولة إفريقية تربطها علاقات دبلوماسية مع بكين حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح ماي 2026، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى توسيع انفتاح السوق الصينية أمام القارة وتعزيز الروابط التجارية جنوب–جنوب. ويأتي هذا الإجراء في سياق التزامات سياسية واقتصادية أعلنها الرئيس شي جين بينغ خلال القمة التاسعة والثلاثين لـالاتحاد الإفريقي، حيث تعهد بتسهيل ولوج المنتجات الإفريقية إلى السوق الصينية عبر ما سُمّي “القناة الخضراء” لتبسيط الإجراءات وتسريع المعالجة الجمركية.
ويمثل القرار تحولاً نوعياً في مقاربة بكين للتبادل التجاري مع إفريقيا، إذ كان الإعفاء الجمركي سابقاً مقتصراً على 33 دولة مصنفة ضمن أقل البلدان نمواً، قبل أن يتم توسيعه ليشمل 53 دولة، من بينها المغرب لأول مرة رغم تصنيفه ضمن الدول متوسطة الدخل. ويعني ذلك عملياً إلغاء الرسوم الجمركية على طيف واسع من السلع، ما يمنح المنتجات الإفريقية ميزة تنافسية إضافية داخل واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.
بالنسبة للمغرب، يكتسي القرار أهمية خاصة في ظل اختلال واضح في الميزان التجاري مع الصين. فقد بلغت المبادلات الثنائية حوالي 9.4 مليارات دولار خلال سنة 2024، بينما لم تتجاوز الصادرات المغربية نحو السوق الصينية 401 مليون دولار، ما يترجم عجزاً سنوياً يناهز 9 مليارات دولار لصالح بكين. ويُرتقب أن يتيح الإعفاء الجديد فرصاً لتقليص هذا الفارق، خصوصاً في قطاعات ذات قيمة مضافة مثل الفلاحة والصناعات الغذائية والأسمدة ومشتقات الفوسفاط والصناعات التحويلية.
وجاء الإعلان الصيني بعد أشهر قليلة من زيارة وزير الصناعة والتجارة المغربي رياض مزور إلى بكين في دجنبر 2025، للمشاركة في الاجتماع السابع للجنة المشتركة المغربية–الصينية، حيث تم التأكيد على ضرورة إعادة هيكلة المبادلات التجارية بما يضمن توازناً أكبر واستدامة طويلة الأمد، وفق منطق “رابح–رابح”. وشدد الجانب المغربي حينها على أهمية تسهيل ولوج المنتجات الوطنية إلى السوق الصينية، ليس فقط عبر تخفيض الرسوم، بل أيضاً من خلال تبسيط المعايير الصحية والتقنية وتسريع مساطر الاعتماد.
ويرتكز التعاون الثنائي على أرضية مؤسساتية قائمة منذ توقيع الشراكة الاستراتيجية الشاملة سنة 2016، وتعززت بتوقيع مذكرة التفاهم الخاصة بمبادرة “الحزام والطريق” سنة 2017، ما فتح المجال أمام مشاريع استثمارية كبرى في مجالات البنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا. ومن بين أبرز هذه المشاريع مدينة محمد السادس طنجة تيك، التي يُعوَّل عليها لاستقطاب استثمارات صناعية موجهة جزئياً نحو التصدير، إضافة إلى استثمارات صينية في قطاع بطاريات السيارات الكهربائية وسلاسل القيمة المرتبطة بها، بما ينسجم مع توجه المغرب نحو الانتقال الطاقي وتعزيز صناعة المركبات النظيفة.
وتُصنف الصين حالياً ثالث أكبر شريك تجاري للمغرب، وثاني مورد له بعد الاتحاد الأوروبي، وأول شريك آسيوي من حيث حجم المبادلات. غير أن الميزان يميل بشكل واضح لصالح بكين، ما دفع مراقبين إلى اعتبار الإعفاء الجمركي خطوة لتخفيف حدة الانتقادات المرتبطة بعدم توازن المبادلات، خاصة في سياق توترات تجارية عالمية وتنامي النزعة الحمائية في عدد من الاقتصادات الكبرى. ورغم أن الإجراء قد يحرم الخزينة الصينية من جزء من الإيرادات الجمركية، فإنه يُنظر إليه كاستثمار سياسي واقتصادي طويل المدى لتعميق الشراكات مع القارة الإفريقية.
ويرى خبراء في التجارة الدولية أن الأثر الفعلي للقرار سيظل رهيناً بقدرة الدول الإفريقية، ومنها المغرب، على توسيع قاعدة الإنتاج القابل للتصدير وتلبية المعايير الصارمة للسوق الصينية. فالإعفاء الجمركي وحده لا يكفي إذا لم تُواكبه سياسات لدعم سلاسل القيمة الصناعية، وتحسين اللوجستيك، وتعزيز تنافسية المنتجات المصنعة، بما يسمح بالانتقال من تصدير المواد الأولية إلى منتجات ذات محتوى تكنولوجي أعلى.
وفي هذا السياق، قد يشكل القرار فرصة استراتيجية للمغرب لإعادة تموقعه داخل سلاسل التوريد الآسيوية، شريطة استثمار الظرفية عبر تعبئة الفاعلين الصناعيين والمصدرين لتثمين الانفتاح الجديد على السوق الصينية العملاقة.






