يقترب المغرب من إطلاق تحول رقمي عميق في منظومته الجبائية من خلال تعميم الفوترة الإلكترونية ابتداءً من سنة 2026، في خطوة استراتيجية تروم تعزيز الشفافية في المعاملات التجارية، تقليص هوامش التهرب الضريبي، والرفع من النجاعة الإدارية والاقتصادية. ويأتي هذا الورش في سياق تنزيل الاستراتيجية الوطنية “المغرب الرقمي 2030”، باعتباره أحد أعمدة تحديث الإدارة الجبائية وتسريع اندماج الاقتصاد الوطني في الدينامية الرقمية العالمية.
يمثل اعتماد الفوترة الإلكترونية انتقالاً من نموذج ورقي تقليدي يصعب تتبعه ومراقبته إلى منظومة رقمية قائمة على تبادل فوري وآمن للمعطيات بين الشركات والمديرية العامة للضرائب، بما يسمح بتعزيز قدرات المراقبة القبلية والبعدية، وتحسين جودة التدقيق الجبائي. وتراهن السلطات الجبائية على أن يسهم هذا الإصلاح في تقليص نسبة التهرب الضريبي التي تشير تقديرات متداولة إلى أنها تمثل جزءاً مهماً من الوعاء الضريبي غير المحصل سنوياً، مع توقعات بارتفاع المداخيل الجبائية بنسب قد تتراوح بين 10 و15 في المائة على المدى المتوسط، نتيجة توسيع الوعاء وتحسين الامتثال الطوعي.
ورغم أن المغرب قطع أشواطاً في رقمنة عدد من الخدمات الجبائية، خاصة ما يتعلق بالتصريح والأداء الإلكترونيين، فإن الفاتورة الورقية ظلت تمثل الحلقة الأضعف في سلسلة التتبع، بالنظر إلى محدودية إمكانية التحقق الفوري من صحتها ومطابقتها للعمليات الفعلية. في المقابل، نجحت إدارات عمومية أخرى في تحقيق انتقال رقمي شبه كامل، على غرار إدارة الجمارك عبر أنظمتها المعلوماتية الخاصة بالمساطر الجمركية، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من خلال منصة “دامانكوم”، إضافة إلى رقمنة خدمات المحافظات العقارية. ويهدف إدماج الفوترة الإلكترونية إلى سد هذه الثغرة، عبر إرساء منظومة رقمية موحدة تسمح بتتبع العمليات التجارية بشكل لحظي.
الإطار القانوني لهذا التحول يستند إلى مقتضيات المادة 145-9 من قانون المالية لسنة 2018، التي أرست الأساس لاعتماد الفوترة الإلكترونية، مع تأجيل تفعيلها العملي إلى حين استكمال الجوانب التقنية والتنظيمية. ومنذ ذلك الحين، اشتغلت المديرية العامة للضرائب على بلورة نموذج تدريجي يوازن بين متطلبات الرقابة الجبائية وقدرات الامتثال لدى مختلف فئات الملزمين، خاصة في ظل التباين الكبير بين الشركات الكبرى والمقاولات الصغيرة جداً.
هذه هي الجدولة الزمنية لإطلاق الفوترة الإلكترونية
الجدولة الزمنية المعتمدة تعكس هذا المنطق التدريجي. ففي أكتوبر 2024 تم إطلاق مشاورات أولية مع الفاعلين الاقتصاديين ومهنيي المحاسبة ونظم المعلومات، قصد تجميع الملاحظات وتكييف الإطار التقني والتنظيمي. وخلال أكتوبر 2025 انطلقت مرحلة تجريبية اختيارية لفائدة شركات متطوعة، بهدف اختبار المنصة الرقمية وآليات المصادقة وتبادل البيانات، ومعالجة الأعطاب التقنية المحتملة قبل التعميم الإلزامي.
وابتداءً من فاتح يناير 2026 تبدأ المرحلة الأولى الإلزامية، وتشمل الشركات الكبرى التي يتجاوز رقم معاملاتها السنوي 50 مليون درهم، لاسيما الخاضعة للضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة. وفي فاتح يوليوز 2026 تمتد المنظومة إلى الشركات المتوسطة التي يتراوح رقم معاملاتها بين 10 و50 مليون درهم، على أن يتم إدماج المقاولات الصغيرة جداً وبعض فئات المهنيين بشكل لاحق خلال نهاية 2026 أو بداية 2027، وفق تقييم نتائج المراحل السابقة.
يشمل النظام المقاولات الصغيرة والمتوسطة بشكل كامل ولكن بصورة تدريجية، نظراً لكونها تمثل الغالبية الساحقة من النسيج الاقتصادي الوطني. ويُنظر إلى هذا الإصلاح، من زاوية اقتصادية، كفرصة لتحسين حكامة هذه المقاولات، عبر تقليص التكاليف المرتبطة بالطباعة والتخزين والأرشفة، وتسريع آجال الأداء بفضل توحيد مساطر الفوترة والتحقق. كما أن توفر قاعدة بيانات رقمية دقيقة حول المعاملات يمكن أن يسهم في تحسين ولوج هذه المقاولات إلى التمويل البنكي، عبر تعزيز مصداقية معطياتها المالية.
ولتأمين الامتثال، تم التنصيص على منظومة عقوبات تدريجية مستمدة من مدونة الضرائب، تشمل غرامات مالية عن كل فاتورة غير مطابقة للمعايير التقنية المعتمدة، مع إمكانية عدم الاعتراف ببعض الفواتير لأغراض خصم الضريبة على القيمة المضافة إذا لم تحترم الشروط القانونية، فضلاً عن تشديد المراقبة في حالات التكرار أو الاشتباه في وجود ممارسات تدليسية. غير أن المقاربة المعتمدة لا تقتصر على البعد الزجري، إذ تم إقرار فترة انتقالية مرنة تتيح للمقاولات التكيف التدريجي مع النظام الجديد.
فإلى غاية دجنبر 2025 تظل المرحلة في إطار تجريبي بدون غرامات، بينما يشهد النصف الأول من 2026 توجيه إنذارات وتصحيح الأخطاء الأولى دون تطبيق فوري للعقوبات القصوى، قبل الانتقال إلى التفعيل الكامل بعد يوليوز 2026 بالنسبة للمخالفات المتكررة أو المتعمدة.
من الناحية الماكرو اقتصادية، يُتوقع أن يساهم تعميم الفوترة الإلكترونية في توسيع الوعاء الضريبي وتحسين مردودية التحصيل، بما يدعم توازنات المالية العمومية في ظرفية دولية تتسم بتقلبات النمو وارتفاع مستويات التضخم. كما يعزز هذا الإصلاح جاذبية مناخ الأعمال، من خلال تقريب المنظومة الجبائية الوطنية من المعايير المعتمدة في عدد من الاقتصادات الأوروبية والمتوسطية التي سبقت إلى اعتماد الفوترة الإلكترونية، وهو ما ييسر اندماج المقاولات المغربية في سلاسل القيمة الدولية.
ورغم أن بعض المقاولات، خصوصاً الصغيرة جداً، قد تواجه كلفة أولية للتجهيز المعلوماتي والتكوين، فإن المقاربة التدريجية والدعم التقني المواكب من طرف المديرية العامة للضرائب من شأنهما تقليص أثر هذه الكلفة وتحويل الإصلاح إلى رافعة تنافسية على المدى المتوسط.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بمجرد تحديث تقني، بل بإعادة هندسة شاملة لمسار الفاتورة باعتبارها وثيقة محورية في الدورة الاقتصادية، بما يعزز الثقة بين الإدارة والملزمين، ويرسخ قواعد الشفافية والمساءلة، ويمهد لمرحلة جديدة من الرقمنة المتقدمة للمالية العمومية ابتداءً من 2026.




