رئيسيةمتابعات

المناطق المنكوبة.. هل تفعل آلية التأمين ضد عواقب الوقائع الكارثية

أعلنت الحكومة المغربية رسميًا تصنيف أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان ضمن المناطق المنكوبة، على خلفية الفيضانات العنيفة التي اجتاحت شمال غرب المملكة خلال الشهرين الأخيرين، في خطوة غير مسبوقة من حيث الامتداد الجغرافي وحجم التدخل المالي والمؤسساتي المصاحب لها. القرار، الذي جاء تنفيذًا لتعليمات ملكية، ترافق مع إطلاق برنامج استعجالي بقيمة ثلاثة مليارات درهم، لكنه يحمل في جوهره بعدًا قانونيًا وماليًا أعمق يتمثل في التفعيل الكامل لآلية التأمين ضد عواقب الوقائع الكارثية.

الفيضانات الأخيرة خلفت آثارًا واسعة النطاق، إذ غمرت المياه أكثر من 110 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية، وأدت إلى إجلاء نحو 188 ألف شخص من منازلهم، فضلاً عن أضرار جسيمة لحقت بالمساكن والبنيات التحتية وشبكات الطرق والكهرباء والماء الصالح للشرب. وتكبد القطاع الفلاحي، خاصة في سهل الغرب ومنطقة اللوكوس، خسائر معتبرة بالنظر إلى أهمية هذه الأحواض في الإنتاج الزراعي الوطني، ما جعل التدخل العمومي ضرورة اجتماعية واقتصادية في آن واحد.

فيضانات الغرب واللوكوس.. فلاحون على حافة الإفلاس
فيضانات الغرب واللوكوس.. فلاحون على حافة الإفلاس

غير أن أهمية القرار لا تكمن فقط في رصد ثلاثة مليارات درهم موزعة بين إعادة الإسكان، دعم الفلاحين، الإغاثة الفورية، وإعادة تأهيل البنيات التحتية، بل في كونه يفعّل رسمياً مقتضيات القانون رقم 110.14 المتعلق بتغطية عواقب الوقائع الكارثية، الذي صدر سنة 2016 ودخل حيز التنفيذ سنة 2020. فإعلان منطقة ما “منكوبة” ليس إجراءً رمزياً، بل شرط قانوني أساسي لتفعيل نظام التعويضات المرتبط بالكوارث الطبيعية.

المناطق المنكوبة: من الإعلان الإداري إلى الحق في التعويض

ينص القانون 110.14 على أنه لا يمكن اعتبار واقعة ما كارثية بالمعنى القانوني إلا بعد صدور قرار إداري عن رئيس الحكومة يقر بالطابع الكارثي للحدث، على أن يُنشر القرار في الجريدة الرسمية داخل أجل أقصاه ثلاثة أشهر من تاريخ الواقعة. هذا الإعلان هو الذي يفتح الباب أمام المؤمن لهم وغير المؤمن لهم للاستفادة من نظام التعويض.

ويعتمد النظام المغربي لتغطية الكوارث على ركيزتين أساسيتين: الأولى تأمينية، والثانية تضامنية. الركيزة التأمينية تهم الأشخاص الذين يتوفرون على عقود تأمين تغطي الممتلكات أو المسؤولية المدنية، حيث يتم إدماج ضمان “الوقائع الكارثية” تلقائيًا ضمن عقود التأمين المعنية، مقابل رسم تضامني يُحتسب ضمن أقساط التأمين. أما الركيزة الثانية فتتمثل في صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، الذي يعوض الأشخاص غير المؤمن لهم أو الذين لا تغطي عقودهم كامل الأضرار.

بهذا المعنى، فإن إعلان الأقاليم الأربعة مناطق منكوبة يعني عمليًا أن كل شخص يتوفر على تأمين ساري المفعول يشمل ضمان الكوارث، يمكنه مباشرة مسطرة المطالبة بالتعويض لدى شركة التأمين، وفق الآجال والشروط المحددة قانونًا. كما يمكن للأشخاص غير المؤمن لهم التوجه إلى صندوق التضامن للاستفادة من التعويضات المقررة في حالة الأضرار البدنية أو المادية التي تمس المساكن الرئيسية.

كيف تُحتسب التعويضات ومن يمولها؟

يتم تمويل نظام التغطية ضد الكوارث عبر مساهمة تضامنية تُفرض على أقساط التأمين غير الحياة، ما يوفر موردًا دائمًا لصندوق التضامن ويعزز قدرة النظام على الصمود أمام تكرار الأحداث المناخية القصوى. وفي حال وقوع كارثة كبرى تتجاوز القدرات الوطنية، يعتمد المغرب كذلك على آليات إعادة التأمين والدعم الدولي، في إطار استراتيجية شاملة لإدارة المخاطر.
التعويضات تختلف بحسب طبيعة الضرر. فبالنسبة للمؤمن لهم، تتحمل شركات التأمين أداء التعويضات وفقًا لشروط العقد وسقف الضمان، مع إمكانية تدخل آليات إعادة التأمين لتوزيع المخاطر. أما بالنسبة لغير المؤمن لهم، فيتدخل صندوق التضامن لتغطية الأضرار البدنية بشكل كامل في حدود المبالغ المحددة، إضافة إلى تعويضات عن فقدان المسكن الرئيسي أو تضرره، وفق معايير دقيقة تأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل وحجم الخسائر.

وفي الحالة الراهنة، سيكون التحدي الأكبر هو ضمان دقة إحصاء المتضررين وتقييم الأضرار بشكل موضوعي وشفاف ضمن نطاق المناطق المنكوبة، حتى لا تتكرر الانتقادات التي رافقت بعض الكوارث السابقة، حيث اشتكى متضررون من بطء المساطر أو تعقيدها.

البرنامج الاستعجالي: تكامل بين الميزانية والتأمين

البرنامج الحكومي بقيمة ثلاثة مليارات درهم لا يعوض آلية التأمين، بل يكملها. فالمبالغ المرصودة تشمل حوالي 775 مليون درهم لإعادة الإسكان وتعويض فقدان الدخل وتأهيل المساكن والمحلات، و225 مليون درهم للمساعدات العينية والإغاثة الفورية، و300 مليون درهم لدعم الفلاحين ومربي الماشية، إضافة إلى نحو 1.7 مليار درهم لإعادة تأهيل الطرق والمنشآت المائية وشبكات الكهرباء والماء.
هذا التكامل بين التمويل الميزانياتي وآلية التأمين يعكس تطورًا مؤسساتيًا في تدبير الكوارث، إذ لم تعد الاستجابة تقتصر على مساعدات ظرفية أو تدخلات جزئية، بل أصبحت مؤطرة قانونيًا ومرتبطة بنظام تعويض مستدام. وهو ما يساهم في تقليص العبء المباشر على المالية العمومية، من خلال توزيع المخاطر بين الدولة وشركات التأمين والمساهمين في النظام التضامني.

اختبار حقيقي للنظام أمام تغير المناخ

تأتي هذه التطورات في سياق يتسم بتزايد حدة الظواهر المناخية القصوى، حيث باتت الفيضانات المفاجئة والعواصف القوية أكثر تكرارًا. مناطق الغرب واللوكوس، ذات الكثافة الزراعية والسكانية المرتفعة، تُعد من أكثر المناطق عرضة لفيضانات الأودية وارتفاع منسوب المياه، ما يجعل تعزيز الوقاية وتحديث شبكات التصريف أولوية موازية للتعويض.

من الناحية الاقتصادية، لا يقتصر أثر الفيضانات على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى سلاسل التوريد والإنتاج الفلاحي والأسواق المحلية. وبالتالي، فإن سرعة صرف التعويضات واستعادة النشاط الاقتصادي تمثلان عاملًا حاسمًا في الحد من التداعيات على النمو والتشغيل.

في المحصلة، يشكل إعلان الأقاليم الأربعة مناطق منكوبة وتفعيل آلية التأمين ضد الكوارث محطة مفصلية في مسار تحديث منظومة إدارة المخاطر بالمغرب. فالرهان لم يعد فقط في حجم الموارد المرصودة، بل في نجاعة التنزيل الميداني، وشفافية المساطر، وقدرة النظام التأميني والتضامني على الاستجابة السريعة والعادلة لانتظارات المواطنين في لحظة أزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى