رئيسيةمتابعات

اهتمام ألماني متزايد بالأوفشورينغ المغربي… المملكة تستهدف 40 مليار درهم بحلول 2030

رصد تحليل صادر عن Germany Trade & Invest تنامي اهتمام الشركات الألمانية بقطاع الأوفشورينغ في المغرب، في وقت تسعى فيه المملكة إلى مضاعفة مداخيل هذا النشاط لتبلغ نحو 40 مليار درهم بحلول سنة 2030. ويعكس هذا التوجه تحولا تدريجيا في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين المغرب وألمانيا، مع صعود الخدمات الرقمية العابرة للحدود كرافعة جديدة للتعاون الاقتصادي.

وأوضح التقرير، الذي وصف المغرب بأنه وجهة واعدة لنقل خدمات الأوفشورينغ الألمانية، أن الحكومة المغربية عرضت في نهاية يناير 2026 رؤية استراتيجية جديدة لتطوير قطاع الخدمات المرحلة خلال حدث “Offre Offshoring Morocco” المنظم في الرباط. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز تموقع المملكة كمركز إقليمي لتصدير الخدمات الرقمية في حوض المتوسط، مع خلق نحو 270 ألف فرصة عمل إضافية خلال السنوات المقبلة، في إطار توسيع قاعدة الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية.

وتعتمد هذه الرؤية على توجيه الاستثمار نحو مجالات رقمية متقدمة تشمل الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي وتحليل البيانات الضخمة والأمن السيبراني، وذلك في سياق دينامية عالمية متسارعة نحو الاقتصاد الرقمي. كما تستند الخطة إلى إطار تحفيزي أقرته الحكومة عبر مذكرة صدرت في يوليوز 2025، تهدف إلى تنظيم الامتيازات الضريبية والتشجيعات الموجهة للمشاريع المرتبطة بالخدمات الرقمية والهندسية عالية القيمة.

ويعد قطاع الأوفشورينغ من القطاعات الاقتصادية الدينامية في المغرب، حيث يشغل حالياً حوالي 150 ألف موظف بدوام كامل. كما بلغت قيمة صادرات الخدمات المرتبطة به نحو 27 مليار درهم خلال سنة 2025، مقابل 26.2 مليار درهم في 2024، في مؤشر على استمرار النمو رغم التحولات التنظيمية التي يشهدها السوق الأوروبي. وتستحوذ الأسواق الأوروبية الناطقة بالفرنسية على حوالي 90 في المئة من هذه الصادرات، خاصة فرنسا وبلجيكا وسويسرا.

غير أن القطاع يشهد في الوقت نفسه تحولا هيكليا ملحوظا. فبعد سنوات من هيمنة مراكز الاتصال التي كانت تمثل نحو 70 في المئة من النشاط، تراجعت هذه الحصة إلى أقل من 50 في المئة حالياً، نتيجة تشديد القيود القانونية في فرنسا المرتبطة بحماية المعطيات والعمالة. وفي المقابل تتجه الاستثمارات الجديدة نحو خدمات رقمية متقدمة تشمل تطوير البرمجيات والبرمجة المضمنة والهندسة الرقمية والاختبارات الصناعية.

ولتسريع هذا التحول، تعمل السلطات المغربية على توسيع برامج التكوين المتخصص عبر شراكات مع الجامعات والشركات الدولية، إضافة إلى دعم منظومة البحث والابتكار. ومن بين المشاريع التي تعكس هذا التوجه إنشاء Jazari Institute في أبريل 2025 بجهة كلميم وادي نون بكلفة تقارب 200 مليون درهم، بهدف تطوير الكفاءات في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتيك والهندسة المتقدمة.

كما يشير التحليل إلى أن حماية المعطيات الشخصية أصبحت عاملا أساسيا في تعزيز جاذبية المغرب بالنسبة للمستثمرين الأوروبيين، خاصة الألمان الذين يواجهون نقصا هيكليا في الكفاءات التقنية داخل سوق العمل المحلية. وفي هذا السياق أكد رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي عمر السغروشني أن حماية المعطيات الشخصية تمثل ركنا محوريا في استراتيجية تطوير قطاع الأوفشورينغ، باعتبارها عنصرا أساسيا لتعزيز الثقة والقدرة التنافسية للمغرب على المستوى الدولي.

ويعمل المغرب في هذا الإطار على مواءمة منظومته القانونية مع المعايير الأوروبية عبر تحديث القانون 09-08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، مع السعي للحصول على قرار الملاءمة ضمن نظام اللائحة العامة لحماية البيانات GDPR المعتمد في الاتحاد الأوروبي. ويتيح هذا التوجه تسهيل تدفقات البيانات بين أوروبا والمغرب من خلال اعتماد بنود تعاقدية قياسية وبروتوكولات نقل آمنة للبيانات.

ويبرز التقرير أن هذه التطورات فتحت المجال أمام عدد متزايد من الشركات الألمانية لتوسيع حضورها في المغرب. فقد قامت شركة Bertrandt AG بإنشاء مركز للهندسة والاختبارات في الرباط سنة 2023، فيما تنشط شركات أخرى مثل FEV Group وFichtner في مجالات الهندسة الرقمية والصناعية، إضافة إلى شركات الاستشارات الرقمية مثل act digital وAlter Solutions.

ويتوقع التحليل أن يؤدي توسع الأوفشورينغ إلى تحول تدريجي في بنية العلاقات الاقتصادية بين المغرب وألمانيا، مع تزايد دور الخدمات الرقمية إلى جانب المبادلات التقليدية في السلع. وقد بلغت قيمة المبادلات التجارية بين البلدين حوالي 7.3 مليار يورو خلال سنة 2025، تشمل أساسا النسيج والمنتجات الزراعية والآلات والمركبات.

ويرى التقرير أن تطوير صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات والهندسة يمثل فرصة مهمة للمغرب لتعزيز مداخيله من العملة الصعبة وتقليص العجز التجاري، في وقت تستفيد فيه الشركات الألمانية من نقل جزء من عملياتها التقنية إلى الخارج بتكلفة تنافسية، مع توجيه مواردها الداخلية نحو البحث والابتكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى