رئيسيةمتابعات

تحقيقات لإدارة الجمارك لملاحقة شبكات تتلاعب في الواردات التركية

باشرت إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة تحقيقات موسعة بشأن شبهات غش جمركي يُشتبه في تورط مستوردين مغاربة ومصدرين أتراك فيها، مع تركيز خاص على التلاعب بقيم فواتير الاستيراد قصد التهرب من أداء الرسوم والواجبات المستحقة. وتأتي هذه التحركات في سياق تشديد المراقبة على المبادلات التجارية مع تركيا، بعدما رصدت مصالح المراقبة مؤشرات على وجود فروقات مهمة بين القيم المصرح بها عند الاستيراد والأسعار المرجعية المعتمدة دولياً. وتعتمد الإدارة في تحقيقاتها على معطيات مستمدة من قواعد بيانات التجارة الدولية، إلى جانب تحريات ميدانية دقيقة داخل الموانئ والمطارات الرئيسية، دون أن تكشف، إلى حدود الساعة، عن أسماء الشركات المعنية بهذه الشبهات.

وقد رفعت المصالح المختصة من وتيرة عمليات الافتحاص والتدقيق، خاصة في ما يتعلق بالواردات القادمة من تركيا عبر ميناء طنجة المتوسط وميناء الدار البيضاء، فضلاً عن مطار محمد الخامس الدولي. وتشير المعطيات الأولية إلى الاشتباه في اعتماد بعض الفاعلين أساليب توصف بـ”التصدير الصوري”، حيث يتم التصريح بقيم أقل من القيمة الحقيقية للبضائع، ما يسمح بتقليص الرسوم الجمركية المستحقة. وترتكز منهجية المراقبة على مقارنة أسعار السلع المصدّرة من تركيا إلى المغرب مع أسعار السلع نفسها الموجهة إلى دول أخرى، من قبيل تونس ومصر، مع احتساب فروق أسعار الصرف وتكاليف النقل والتأمين. وقد أظهرت هذه المقارنات، بحسب مصادر مطلعة، وجود تفاوتات لافتة تثير الشكوك حول صحة بعض التصريحات الجمركية.

وتقدّر القيم المالية موضوع الاشتباه بمبالغ تصل إلى مليارات السنتيمات، ما يعكس حجم المبادلات التجارية المعنية وأثرها المحتمل على الموارد الجبائية للدولة. وتشمل السلع التي تخضع للتحقيق قطاعات حيوية، في مقدمتها النسيج والألبسة الجاهزة والتجهيزات المنزلية وبعض المنتجات المصنعة ونصف المصنعة التي تعرف إقبالاً كبيراً في السوق المغربية. ويُنظر إلى هذه القطاعات باعتبارها من أكثر المجالات حساسية، نظراً لما تمثله من تنافس مباشر مع الإنتاج الوطني، وما يترتب على أي تلاعب محتمل في قيم الاستيراد من تأثير على مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.

ويأتي هذا التصعيد في سياق تعديل اتفاق التبادل الحر بين المغرب وتركيا سنة 2021، والذي نصّ على فرض رسوم جمركية قد تصل إلى 90 في المائة على عدد من المنتجات المصنعة ونصف المصنعة، بعد أن كان الاتفاق الأصلي الموقع سنة 2004 يمنح امتيازات واسعة للمنتجات التركية. وقد بررت السلطات المغربية هذا التعديل بضرورة حماية النسيج الصناعي الوطني، في ظل تزايد الواردات التركية وتسجيل عجز تجاري ملحوظ. غير أن فرض رسوم إضافية أدى، وفق متابعين، إلى ارتفاع أسعار بعض السلع في السوق المحلية، كما دفع بعض المتعاملين إلى البحث عن طرق للتحايل على الرسوم، وهو ما يفسر تشديد المراقبة في المرحلة الحالية.

الجمارك تخض شحنات مشكوك فيها للتفتيش

وفي إطار الإجراءات الميدانية، جرى استنفار فرق المراقبة الجهوية لإخضاع الشحنات المشكوك في أمرها لعمليات تفتيش دقيقة، شملت مراجعة الوثائق المرافقة للبضائع والتأكد من مطابقة التصريحات للمواصفات الفعلية. كما استعانت الإدارة بمعلومات واردة من إدارات جمركية أجنبية ومن منصات تبادل البيانات التجارية، ما مكّن من رصد فروقات مهمة بين القيم المصرح بها في المغرب والقيم المعتمدة في عمليات تصدير مماثلة نحو أسواق أخرى. وأسفرت هذه التحريات عن إعداد قائمة داخلية تضم 67 شركة استيراد مغربية مطالبة بتقديم مستندات تكميلية لتبرير الفوارق المسجلة، دون نشر أسمائها في انتظار استكمال المساطر القانونية.

ومن المرتقب أن تسفر هذه التحقيقات، في حال ثبوت المخالفات، عن مراجعة الفواتير وتصحيح الرسوم المستحقة، مع فرض غرامات وفروقات مالية وفقاً للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل. كما قد تمتد الإجراءات إلى ترتيب مسؤوليات إضافية إذا ما ثبت وجود نية تدليسية أو تنسيق مسبق بين بعض الأطراف المعنية. وتؤكد مصادر متطابقة أن الهدف من هذه العمليات لا يقتصر على تحصيل مستحقات مالية، بل يتعداه إلى توجيه رسالة واضحة بشأن عزم الإدارة على التصدي لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالاقتصاد الوطني وتقويض قواعد المنافسة الشريفة.

وكانت سنة 2025 قد شهدت تحقيقات مماثلة همّت واردات تركية، حيث تم ضبط شحنات في الموانئ ذاتها بسبب شبهات تتعلق بالقيم المصرح بها، ما يعزز فرضية وجود نمط متكرر يستدعي يقظة مستمرة. وحتى الآن، لم تصدر بيانات رسمية مفصلة على الموقع الإلكتروني لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، فيما تستند المعطيات المتداولة إلى تقارير إعلامية نُشرت منتصف فبراير 2026. وتندرج هذه التطورات ضمن توجه أوسع يروم تعزيز آليات المراقبة والشفافية في المبادلات التجارية الدولية، وضمان احترام القوانين الجمركية بما يحفظ حقوق الخزينة العامة ويدعم تنافسية الاقتصاد الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى