
يشهد سوق الذهب في المغرب، بعد نحو أسبوعين من الانخفاض الكبير في الأسعار العالمية أواخر يناير 2026، تقلبات مستمرة تجعله مرآة جزئية للأسواق الدولية مع وجود فارق محلي واضح. فالانخفاضات العالمية لم تنعكس بالكامل على ثمن الذهب في المغرب بسبب آليات التسعير الداخلية والمضاربات، وهو ما يطرح تساؤلات حول استدامة القطاع وفرص الاستثمار فيه.
بنهاية يناير 2026 سجلت أونصة الذهب عالمياً تراجعاً حاداً تراوح بين 10 و12 في المائة، بعدما هبطت من قمم تجاوزت 5600 دولار إلى مستويات دون 5000 دولار. وجاء هذا التراجع مدفوعاً بعمليات جني الأرباح بعد موجة صعود قياسية، وصدور بيانات تضخم أمريكية أقل حدة، إلى جانب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تهدئة التوترات الجيوسياسية مع إيران. في بورصتي نيويورك ولندن أغلقت الأونصة يوم 31 يناير عند نحو 4895 دولاراً، مسجلة تراجعاً أسبوعياً بنسبة 1.8 في المائة، فيما شهدت الأيام اللاحقة تذبذباً بين 4800 و5025 دولاراً خلال الفترة ما بين 9 و11 فبراير.
هذا التصحيح لم يكن مفاجئاً، إذ أشارت التحليلات الفنية إلى كسر مستوى دعم عند 5000 دولار، مع ضغوط بيعية ناجمة عن تحسن شهية المخاطرة عالمياً وارتفاع عوائد السندات الأمريكية.
في المغرب، حيث يُعتمد عيار 750 (18 قيراط) بشكل واسع في المجوهرات التقليدية، لم يتبع السوق المحلي المنحنى العالمي بدقة، بل عرف انخفاضات جزئية ومتأخرة ومتقطعة. في 31 يناير بلغ سعر غرام الذهب عيار 24 نحو 1425 درهماً، مع تسجيل الأونصة محلياً حوالي 44326 درهماً، قبل أن يتراجع السعر يوم 2 فبراير إلى 1372 درهماً للغرام (وأونصة عند 42677 درهماً)، ثم يرتفع مجدداً يوم 9 فبراير إلى 1485 درهماً (وأونصة عند 46181 درهماً)، ليستقر يوم 10 فبراير عند 1472 درهماً لعيار 24، أي ما يعادل نحو 1104 دراهم لعيار 18.
وتظهر هذه الأرقام تراجعاً إجمالياً بنحو 3 إلى 5 في المائة مقارنة بقمم يناير التي تجاوزت 1100 درهم لعيار 18 في بعض أسواق الدار البيضاء وفاس، مع تسجيل ارتداد سريع خلال الأسبوع الثاني من فبراير.
عدم انعكاس الانخفاضات العالمية بالكامل يعود أساساً إلى آليات التسعير المحلية، حيث يُضاف هامش ربح يتراوح بين 10 و20 في المائة فوق السعر الفوري العالمي بعد تحويله إلى الدرهم بسعر صرف يقارب 9.9 دراهم للدولار، إضافة إلى تكاليف المصنعية و«الدمص» التي ترتفع مع التقلبات. في أسواق مثل قيسارية الحفاري بالدار البيضاء، وباب الفتوح بفاس، والسمارين بمراكش، تراوح سعر الغرام عيار 18 بين 1057 درهماً يوم 5 فبراير كأدنى مستوى و1113 درهماً يوم 9 فبراير، مع فارق يتراوح بين 50 و100 درهم مقارنة بالسعر العالمي المعدل.
ويرتبط هذا الفارق بالاعتماد على الاستيراد غير المباشر عبر دول مثل تركيا والهند، إضافة إلى هيمنة قنوات غير رسمية ترفع التكاليف، وهو ما أدى إلى توقف عدد كبير من الورش بسبب اتساع الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية.
انخفاض الأسعار عالمياً في نهاية يناير أدى إلى تراجع محلي قصير الأمد خلال يومي 2 و5 فبراير، إلا أن الأسعار تعافت سريعاً بدعم من الطلب الاستثماري المحلي وتوقعات التضخم في المغرب التي تدور حول 3.8 في المائة لعام 2026. وفي ظل ارتفاع أسعار الحبوب والطاقة بنحو 12 في المائة منذ بداية السنة، يظل الذهب وسيلة لحفظ القوة الشرائية، خاصة مع استمرار الإقبال على عيار 750 في المجوهرات التقليدية وعلى السبائك لأغراض الادخار طويل الأمد.
غير أن الفارق السعري الكبير تسبب في حالة ركود شبه كاملة داخل القطاع، مع تردد التجار في تجديد المخزون وتراجع الإقبال الاستهلاكي خلال فترة ما بعد الأعياد.
ثمن الذهب في المغرب.. هذه أسباب الارتفاع
تسهم اللوائح الجمركية والضريبية في تعميق هذا الوضع، إذ تُفرض ضريبة قيمة مضافة بنسبة 20 في المائة على الاستيراد الرسمي، ما يدفع بعض الفاعلين إلى اللجوء لقنوات غير منظمة تحافظ على مستويات أسعار مرتفعة. كما ساعدت تقلبات سعر صرف الدرهم، الذي تحسن بشكل طفيف أمام الدولار من 9.85 إلى 9.9 دراهم، على تخفيف أثر الانخفاض العالمي، في حين أدت المضاربات إلى تضخيم الهوامش في أسواق مثل إنزكان بأكادير وقيسارية السكاكين بمكناس. ويظهر من تتبع حركة الأسعار أن التأثير المحلي يتأخر عادة بين ثلاثة وخمسة أيام عن التحركات العالمية، وينعكس بنسبة تقديرية تتراوح بين 60 و70 في المائة فقط من حجم التغير الدولي.
من زاوية استثمارية، يوصى باقتناء كميات محدودة من السبائك أو الذهب المستعمل عند مستويات تتراوح بين 1050 و1100 درهم لعيار 18، مع مراقبة مستوى دعم فني حول 1000 درهم، وضرورة تنويع الاستثمارات لتشمل أصولاً أخرى مثل العقارات أو العملات الرقمية. وتشير التوقعات إلى إمكانية صعود الأونصة عالمياً نحو 5300 دولار في حال تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ما قد يدفع سعر الغرام محلياً إلى حدود 1150 درهماً، بينما قد يؤدي أي تصحيح جديد إلى تراجعه نحو 1020 درهماً. كما تتعالى الدعوات إلى إحداث شركة استيراد رسمية لتنظيم السوق والحد من الاحتكار وربط الأسعار المحلية بشكل أوثق بالأسواق العالمية وتقليص الفوارق القائمة.






