
يشهد ثمن النقرة، أي الفضة عيار 999، في الأسواق المغربية مع بداية سنة 2026 تقلبات واضحة تعكس بالأساس المنحى العالمي، مع إضافة فارق محلي مرتبط بكلفة الاستيراد وهوامش الوسطاء والطلب التقليدي على الحلي. وخلال النصف الأول من فبراير، يتراوح السعر في السوق بين 22 و26 درهماً للغرام حسب المدن ونوع المعاملة، مع تسجيل تحركات يومية قد تصل في بعض الفترات إلى 3 و6 في المائة صعوداً أو هبوطاً.
في قيساريات الحفاري بالدار البيضاء، وسوق تيزنيت المعروف بالصياغة التقليدية، وباب الفتوح بفاس، يتداول غرام الفضة الخالصة حالياً في حدود 22.5 إلى 23 درهماً للشراء بالتقسيط الصغير، مع فروقات بسيطة حسب الكمية. وكان السعر قد افتتح يناير قرب 21 إلى 22 درهماً للغرام، قبل أن يسجل ارتفاعات قوية خلال النصف الثاني من الشهر، ثم يدخل في موجة تصحيح مع بداية فبراير. وتبقى القفزات التي تجاوزت 30 درهماً للغرام حالات ظرفية مرتبطة باضطراب الأسعار العالمية وهوامش استثنائية، وليست مستويات مستقرة للسوق.
على المستوى الدولي، تحركت أونصة الفضة خلال الأسابيع الأولى من السنة في نطاق يقارب 22 إلى 25 دولاراً، مع ذبذبات مرتبطة بتوقعات السياسة النقدية الأمريكية وحركة الدولار. وعند احتساب سعر الصرف الذي يدور في حدود 9 إلى 10 دراهم للدولار، فإن السعر النظري للغرام في المغرب يتأثر مباشرة بهذه التحركات، قبل إضافة تكاليف الشحن والتأمين والرسوم وهوامش التوزيع، ما يفسر فارقاً قد يصل إلى 5 أو 10 في المائة عن السعر المحسوب انطلاقاً من بورصة المعادن.
الطلب العالمي على الفضة يظل مدعوماً بالاستعمالات الصناعية، خصوصاً في الطاقة الشمسية والإلكترونيات والسيارات الكهربائية، حيث تدخل الفضة في مكونات دقيقة وموصلة. هذا الطلب الصناعي المتزايد خلال السنوات الأخيرة ساهم في تشديد التوازن بين العرض والطلب، ما جعل السوق أكثر حساسية للأخبار الاقتصادية وقرارات الفيدرالي الأمريكي. ويترجم ذلك محلياً في شكل تقلبات سريعة، تنتقل بنسبة كبيرة إلى الأسعار الداخلية خلال أيام قليلة.
المغرب ضمن أبرز منتجي النقرة عالميا
المغرب يُعد من بين المنتجين المهمين للفضة في إفريقيا، بإنتاج سنوي يقدر بعدة ملايين من الأوقيات، غير أن جزءاً مهماً من الإنتاج يوجه للتصدير، بينما يعتمد سوق الحلي المحلي بشكل ملحوظ على الفضة المستوردة لتلبية حاجيات الصياغة. هذا التداخل بين الإنتاج الوطني والتوريد الخارجي يجعل الأسعار الداخلية رهينة للسوق الدولية من جهة، ولشروط الاستيراد والتوزيع من جهة أخرى.
في الأسواق الشعبية، يلاحظ التجار أن ارتفاع السعر فوق 24 أو 25 درهماً للغرام ينعكس مباشرة على وتيرة المبيعات، خاصة في الحلي عيار 800 و925 التي تظل الأكثر تداولاً في الأعراس والمناسبات. وعند ارتفاع النقرة الخالصة، يلجأ بعض المستهلكين إلى شراء قطع أخف وزناً أو إلى تأجيل الشراء انتظاراً لتصحيح. في المقابل، يتجه بعض المستثمرين الصغار إلى اقتناء سبائك صغيرة من 5 إلى 50 غراماً بهدف الادخار، مستفيدين من التقلبات القصيرة الأمد.
تأثير التضخم المحلي، الذي يدور في مستويات تقارب 3 إلى 4 في المائة وفق التقديرات الأخيرة، يعزز بدوره جاذبية الفضة كخيار ادخاري موازٍ للذهب، خصوصاً لدى فئات شابة ترى في السبائك الصغيرة مدخلاً منخفض الكلفة للاستثمار في المعادن النفيسة. غير أن هامش “المصنعية” في الحلي يظل عاملاً حاسماً، إذ قد يقتطع نسبة مهمة عند إعادة البيع، ما يجعل عيار 999 أو السبائك أكثر ملاءمة لمن يهدف إلى الاستثمار لا الاستعمال.
جيوسياسياً، تؤدي التوترات التجارية والتقلبات في أسواق الطاقة إلى تعزيز دور الفضة كملاذ ثانٍ بعد الذهب في فترات عدم اليقين، وهو ما ينعكس سريعاً على منحنى الأسعار. ومع كل إشارة إلى خفض محتمل لأسعار الفائدة الأمريكية، تميل المعادن إلى الارتفاع، بينما يؤدي تشديد السياسة النقدية إلى ضغط تصحيحي، وهو ما شهدته السوق خلال الأسابيع الأولى من السنة.
في مدن مثل تيزنيت وورزازات وفاس، حيث تشكل الصياغة التقليدية نشاطاً معيشياً لآلاف الأسر، أدى ارتفاع كلفة المادة الأولية إلى تقليص هوامش الربح، في ظل منافسة قوية وحساسية المستهلك للسعر. ويشتكي مهنيون من تعدد الوسطاء وارتفاع هامش التوزيع، ما يدفعهم للمطالبة بتنظيم أفضل لسوق التوريد وتقليص الفوارق بين السعر الدولي والسعر المحلي.
التحليل الفني لتحركات الأسابيع الأخيرة يُظهر أن مستوى 20 إلى 21 درهماً للغرام يشكل نطاق دعم نفسي، بينما يبرز مستوى 27 إلى 28 درهماً كمقاومة في حال عودة الزخم الصعودي عالمياً. واختراق هذا السقف يظل رهيناً باستمرار الطلب الصناعي العالمي وضعف الدولار، إضافة إلى استقرار سعر الصرف محلياً.
حتى 18 فبراير 2026، يبقى ثمن النقرة في المغرب ضمن نطاق متقلب لكنه مدروس، يعكس تفاعلاً سريعاً مع الأسواق الدولية وتوازناً داخلياً بين الطلب التقليدي والاستثماري. ومع استمرار الحساسية تجاه الأخبار الاقتصادية العالمية، يظل تتبع الأسعار بشكل دوري ضرورياً لكل من يقتني الفضة بغرض الادخار أو التجارة، في سوق يجمع بين البعد التراثي للحلي المغربية والدور المتنامي للفضة كأداة استثمارية.






