
شهدت أسعار الذهب في السوق المغربية خلال الأيام الأولى من شهر مارس 2026 ارتفاعاً سريعاً وغير مسبوق، انعكس مباشرة على أسعار البيع في محلات الحلي والسبائك وعلى التداولات المرتبطة بالاستثمار الفردي، حيث تجاوز سعر غرام الذهب عيار 24 مستوى 1540 درهماً، بينما صعد عيار 21 إلى ما يفوق 1300 درهم في عدد من المدن المغربية، وهو مستوى تاريخي جديد في السوق المحلي.
هذا الارتفاع جاء نتيجة القفزة القياسية التي سجلتها الأونصة في الأسواق الدولية متجاوزة مستوى 5400 دولار، قبل أن تعود وتتراجع قليلاً إلى حدود 5160 دولار في جلسات التداول اللاحقة، ما جعل السوق المغربي يعيش موجة تقلبات يومية مرتبطة بشكل شبه كامل بحركة الذهب في البورصات العالمية، خاصة في لندن ونيويورك.
وتُظهر المعطيات المتداولة في السوق المحلي أن الأونصة في المغرب قاربت 48022 درهماً يوم 5 مارس مقابل نحو 47260 درهماً يوم 3 مارس، وهو ما يعكس درجة ارتباط عالية بين الأسعار المحلية والسوق الدولية تصل إلى نحو 95 في المائة.
هذا الارتفاع المفاجئ في السوق المغربي لم يكن مجرد تغير عابر في الأسعار، بل تحول إلى عامل اقتصادي مؤثر في سلوك المستهلكين والمستثمرين على حد سواء. فقد سجلت محلات المجوهرات في عدد من المدن المغربية تراجعاً نسبياً في الطلب الاستهلاكي مقابل ارتفاع الطلب الاستثماري على السبائك والليرات الذهبية، في مؤشر واضح على تحول الذهب من سلعة زينة إلى أداة ادخار وتحوط في ظل حالة عدم اليقين العالمية.
وتُقدر مصادر السوق أن الطلب الاستثماري الفردي في المغرب ارتفع بنسبة تقارب 25 في المائة مقارنة بنهاية سنة 2025، بينما يقدر إجمالي الاستهلاك السنوي للذهب في البلاد بحوالي 15 طناً، وهو رقم يعكس أهمية المعدن الأصفر داخل الثقافة المالية والاجتماعية للمغاربة.
الارتفاع القوي في الأسعار العالمية للذهب جاء مدفوعاً أساساً بتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي بلغت مرحلة خطيرة مع اندلاع مواجهات عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. هذه التطورات خلقت حالة من القلق في الأسواق المالية الدولية، دفعت المستثمرين إلى البحث عن أصول آمنة تحافظ على القيمة في فترات الأزمات، وكان الذهب في مقدمة هذه الأصول.
فقد قفز سعر الأونصة الفورية بأكثر من 2 في المائة خلال أقل من 24 ساعة بعد الإعلان عن الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع داخل إيران وأسفرت عن مقتل قائد عسكري رفيع المستوى، وهو ما أثار مخاوف من رد إيراني واسع يشمل إطلاق صواريخ باليستية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز.
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والأسواق المالية الدولية. ومع تصاعد التوتر العسكري في المنطقة، ارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 3 في المائة في جلسات التداول الأولى بعد الضربات، وهو ما خلق موجة تضخم متوقعة في الاقتصاد العالمي. هذه المخاوف التضخمية دفعت المستثمرين وصناديق التحوط إلى زيادة مراكزهم في الذهب، باعتباره أحد أهم الأصول التي تحافظ على القيمة في فترات التضخم وعدم الاستقرار المالي.
البيانات السوقية خلال الأسابيع الأخيرة تظهر أن ارتفاع الذهب لم يبدأ مع اندلاع المواجهات العسكرية فقط، بل كان جزءاً من اتجاه صعودي مستمر منذ عدة أشهر. فقد سجل الذهب سبعة أشهر متتالية من الصعود قبل اندلاع الأزمة الحالية، مدعوماً بزيادة الطلب من البنوك المركزية العالمية التي تسعى إلى تنويع احتياطاتها بعيداً عن الدولار الأمريكي. ومع اندلاع الصراع العسكري في الشرق الأوسط، تسارع هذا الاتجاه بشكل أكبر، حيث ارتفعت الأسعار بنحو 47 في المائة خلال الأشهر الستة الماضية، وهو ارتفاع يعكس تحولات هيكلية في سوق المعادن الثمينة وليس مجرد رد فعل قصير الأجل.
البنوك المركزية، خصوصاً في آسيا والأسواق الناشئة، لعبت دوراً مهماً في دعم الأسعار العالمية للذهب. فقد زادت هذه المؤسسات مشترياتها من المعدن الأصفر بهدف تقليص الاعتماد على الدولار في الاحتياطيات النقدية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة وتزايد استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة سياسية في العلاقات الدولية. وتشير تقديرات الأسواق إلى أن مشتريات البنوك المركزية من الذهب قد ترتفع بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المائة خلال السنوات القليلة المقبلة إذا استمرت حالة عدم اليقين في النظام المالي العالمي.
في المغرب، ينعكس هذا التحول العالمي بشكل مباشر على السوق المحلي بسبب ارتباط الدرهم بسلة عملات يهيمن عليها الدولار واليورو، إضافة إلى اعتماد البلاد بشكل شبه كامل على استيراد الذهب الخام. هذا الارتباط يجعل أسعار الذهب في المغرب شديدة الحساسية لأي تغير في السوق الدولية أو في سعر صرف الدولار. ومع ارتفاع الأسعار العالمية إلى مستويات قياسية، ارتفعت تكلفة استيراد الذهب إلى السوق المغربي، وهو ما انعكس مباشرة على الأسعار التي يدفعها المستهلك النهائي.
القطاع المرتبط بالمجوهرات في المغرب بدأ يشعر بتأثير هذه الارتفاعات بشكل واضح. فبينما يظل الطلب على الذهب قوياً لأسباب ثقافية واجتماعية، خاصة في حفلات الزواج والمناسبات العائلية، فإن الأسعار المرتفعة بدأت تدفع بعض المستهلكين إلى تقليص الكميات المشتراة أو الاتجاه إلى عيارات أقل سعراً مثل عيار 18. في المقابل، ازداد اهتمام المستثمرين الأفراد بشراء السبائك والليرات الذهبية باعتبارها أداة ادخار طويلة الأجل يمكن أن تحمي الثروة من التضخم وتقلبات العملة.
التحليل المالي لحركة الذهب خلال المرحلة الحالية يشير إلى أن الصعود الأخير يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتصاعد المخاطر الجيوسياسية. فالتاريخ يظهر أن الذهب يميل إلى الارتفاع في فترات النزاعات العسكرية الكبرى أو الأزمات المالية العالمية. وخلال الأزمات النفطية في سبعينيات القرن الماضي، ارتفع الذهب بشكل كبير نتيجة التضخم المرتبط بارتفاع أسعار الطاقة. وتشير البيانات التاريخية إلى وجود علاقة إيجابية بين أسعار النفط والذهب، حيث يبلغ معامل الارتباط بينهما نحو 0.65، ما يعني أن ارتفاع أسعار النفط غالباً ما يتبعه ارتفاع في أسعار الذهب.
إذا استمر التصعيد العسكري في الشرق الأوسط أو حدث إغلاق كامل لمضيق هرمز، فإن الأسواق قد تشهد موجة ارتفاع جديدة في أسعار الذهب خلال الأشهر المقبلة. بعض التقديرات الصادرة عن مؤسسات مالية دولية تشير إلى أن سعر الأونصة قد يصل إلى ما بين 5500 و5600 دولار في المدى القصير إذا استمرت العمليات العسكرية الحالية. أما في حال تطور النزاع إلى صراع إقليمي طويل الأمد، فقد ترتفع الأسعار إلى مستويات تتراوح بين 6000 و8000 دولار خلال السنوات المقبلة.
هذه السيناريوهات تعتمد على فرضية استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع التضخم العالمي نتيجة صدمات الإمدادات. فكل ارتفاع كبير في أسعار النفط ينعكس في النهاية على تكلفة الإنتاج والنقل في الاقتصاد العالمي، وهو ما يؤدي إلى زيادة الأسعار العامة للسلع والخدمات. وفي مثل هذه البيئة التضخمية، يزداد الطلب على الذهب باعتباره مخزناً للقيمة لا يتأثر مباشرة بالسياسات النقدية أو بالتضخم النقدي.
رغم هذه التوقعات الصعودية، فإن الأسواق لا تخلو من مخاطر التصحيح. فالمؤشرات الفنية تشير إلى أن الذهب دخل منطقة تشبع شرائي قوية بعد وصول مؤشر القوة النسبية إلى مستويات مرتفعة تتجاوز 90 نقطة. هذا الوضع يعني أن الأسعار قد تكون عرضة لتصحيح قصير الأجل نتيجة عمليات جني الأرباح من قبل المستثمرين الذين حققوا مكاسب كبيرة خلال الأشهر الماضية. وفي حال حدوث تصحيح تقني، قد تتراجع الأسعار إلى مستويات تتراوح بين 4700 و5000 دولار للأونصة قبل استئناف الاتجاه الصعودي.
جني الأرباح في الأسواق المالية غالباً ما يحدث بعد الارتفاعات الحادة، خاصة عندما تكون مدفوعة بالمضاربة في العقود الآجلة. وتشير البيانات إلى أن مراكز الشراء في سوق العقود المستقبلية للذهب وصلت إلى مستويات قياسية خلال الأيام الأخيرة، وهو ما يزيد من احتمال حدوث موجة بيع قصيرة الأجل إذا قرر المستثمرون تأمين أرباحهم. كما أن قوة الدولار الأمريكي أو ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية قد يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائداً مالياً مباشراً.
تهدئة التوترات الجيوسياسية تمثل أيضاً عاملاً قد يضغط على أسعار الذهب في المدى القصير. فإذا تم التوصل إلى اتفاق دبلوماسي يخفف من حدة الصراع في الشرق الأوسط أو أعيد فتح مضيق هرمز بشكل كامل، فإن الطلب على الأصول الآمنة قد يتراجع بسرعة. التاريخ يظهر أن الذهب غالباً ما ينخفض بعد انتهاء الأزمات العسكرية الكبرى، كما حدث بعد حرب الخليج في بداية التسعينيات عندما تراجعت الأسعار بنحو 20 في المائة بعد استقرار الأوضاع في المنطقة.
في السوق المغربي، أي تصحيح عالمي في أسعار الذهب سينعكس بسرعة على الأسعار المحلية بسبب طبيعة الارتباط المباشر مع السوق الدولية. فإذا تراجعت الأونصة إلى مستويات قريبة من 5000 دولار، فقد تنخفض الأسعار في المغرب إلى حدود 47000 درهم للأونصة، وهو ما سيعيد التوازن إلى سوق المجوهرات ويشجع المستهلكين على العودة إلى الشراء بكميات أكبر.
مع ذلك، يظل الاتجاه العام للذهب في المدى المتوسط صعودياً في نظر العديد من المحللين الاقتصاديين. فالعوامل التي تدعم الطلب على الذهب، مثل التضخم المرتفع والتوترات الجيوسياسية وارتفاع ديون الحكومات العالمية، ما تزال قائمة. كما أن زيادة مشتريات البنوك المركزية من المعدن الأصفر تعزز أرضية سعرية قوية تمنع انهيار الأسعار بشكل كبير حتى في حال حدوث تصحيحات قصيرة الأجل.
في المغرب، يتوقع أن يستمر تأثير هذه العوامل على السوق المحلي خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير نتيجة اضطرابات الشرق الأوسط. ارتفاع أسعار الطاقة المستوردة قد يدفع معدل التضخم في المغرب إلى مستويات تتراوح بين 4 و5 في المائة سنوياً، وهو ما سيزيد من اهتمام المستثمرين الأفراد بالذهب كوسيلة للحفاظ على القوة الشرائية لمدخراتهم.
الطلب المحلي على الذهب في المغرب يرتبط أيضاً بعوامل ثقافية واجتماعية تجعل المعدن الأصفر جزءاً مهماً من الحياة الاقتصادية للأسر. ففي حفلات الزواج والمناسبات العائلية، يظل الذهب هدية تقليدية ورمزاً للادخار في الوقت نفسه. ولذلك فإن ارتفاع الأسعار لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع الطلب بشكل كامل، بل غالباً ما يدفع المستهلكين إلى تعديل سلوكهم الشرائي من حيث الكميات أو العيارات.
في نهاية المطاف، يعكس الارتفاع الحالي في أسعار الذهب تحولات عميقة في الاقتصاد العالمي وفي النظام المالي الدولي. فالمعدن الأصفر عاد ليحتل موقعاً مركزياً في استراتيجيات التحوط لدى المستثمرين والبنوك المركزية، خاصة في ظل عالم يتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين الاقتصادي. بالنسبة للسوق المغربي، فإن هذه التحولات تعني استمرار التقلبات في الأسعار المحلية، لكنها في الوقت نفسه تعزز دور الذهب كأحد أهم أدوات الادخار والاستثمار لدى الأفراد في مواجهة التضخم والاضطرابات الاقتصادية العالمية.






