
حققت المغربية دينا السلاوي إنجازًا تاريخيًا بانضمامها كأول امرأة مغربية تحصل على عضوية كاملة ومالكة أسهم في بورصة الألماس بأنتويرب البلجيكية، المؤسسة العريقة التي تُعد من أقدم وأهم أسواق الألماس في العالم وأكثرها صرامة وانتقائية في شروط القبول. ويكتسي هذا الحدث أهمية خاصة ليس فقط لكونه سابقة على المستوى المغربي، بل أيضًا لأنه يأتي في سياق صناعة عالمية تُعرف بطابعها النخبوي وتعقيد شبكاتها التجارية واشتراطاتها الأخلاقية الدقيقة. فبورصة أنتويرب، التي تشكل قلب تجارة الألماس العالمية منذ قرون، لا تمنح عضويتها إلا لمن يثبت كفاءة مهنية عالية وسمعة تجارية لا تشوبها شائبة، إضافة إلى الالتزام الصارم بقواعد الشفافية والامتثال للمعايير الدولية.
تنحدر دينا السلاوي من مدينة الدار البيضاء، وقد بنت مسارها العلمي والمهني على قاعدة مزدوجة تجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة الميدانية. حصلت سنة 2001 على إجازة في المالية من Florida Metropolitan University، وهو تخصص منحها فهمًا معمقًا لآليات الأسواق والتدبير المالي، قبل أن تعزز تكوينها بماستر في التواصل التجاري من Collège Polytechnic de Paris سنة 2005، ثم بماستر آخر في التواصل من École Hassania des Travaux Publics. هذا المزج بين المالية والتواصل أتاح لها أدوات تحليلية واستراتيجية ضرورية للعمل في قطاع يتطلب تفاوضًا دقيقًا وبناء علاقات ثقة طويلة الأمد.
دينا السلاوي.. الطريق لم يكن مفروشا بالورود
لم يكن طريقها إلى بورصة أنتويرب مفروشًا بالصدفة أو الامتيازات، بل جاء بعد سنوات من العمل المتواصل بين المغرب وبلجيكا، تجاوزت خمسة عشر عامًا من التنقل وبناء الشبكات المهنية. قبل حصولها على العضوية الرسمية، خضعت لتدريب مكثف داخل بورصة أنتويرب نفسها، واشتغلت على تعميق خبرتها التقنية من خلال التخصص في تصنيف وجودة الألماس لدى HRD Antwerp، أحد أهم المراجع الدولية في تقييم الأحجار الثمينة. ويُعد هذا التكوين عنصرًا حاسمًا في مسار أي مهني يرغب في العمل ضمن أعلى مستويات هذه الصناعة، نظرًا لاعتماد السوق على تقارير دقيقة تحدد قيمة الحجر وفق معايير عالمية معروفة.
على المستوى المقاولاتي، أدارت دينا السلاوي منذ عام 2008 علامة ORphée Bijouterie، حيث راكمت خبرة في تصميم وتسويق المجوهرات، قبل أن تؤسس سنة 2011 شركتها الخاصة Les Ateliers Orphée by DS بصفتها رئيسة مديرة عامة. وقد مكنها هذا المسار من الجمع بين الجانب الفني المرتبط بصناعة المجوهرات والجانب التجاري المتعلق باستيراد وتصدير الأحجار الثمينة. كما أنها خبيرة معتمدة لدى مصالح الجمارك المغربية، وهو اعتماد يعكس الثقة في كفاءتها التقنية ويضعها في موقع مرجعي فيما يتعلق بتقييم الألماس والتصريح به وفق القوانين المعمول بها.
ورغم أن التقارير الإعلامية لم تحدد تاريخًا دقيقًا لقبولها، فإن الإعلان عن عضويتها تم تداوله على نطاق واسع في أوائل فبراير 2026، في إشارة إلى قبول حديث جدًا توّج سنوات من الحضور المهني غير العضوي داخل السوق. صفة “عضوة كاملة الحقوق ومالكة أسهم” لا تعني فقط حق الولوج إلى قاعة التداول، بل تمنحها أيضًا موقعًا مؤثرًا داخل المنظومة التجارية، بما يشمل المشاركة في العمليات الرسمية والتعامل المباشر مع كبار الفاعلين في القطاع.
في تصريحات لوسائل إعلام بلجيكية، شددت دينا السلاوي على أن السمعة المهنية والثقة تشكلان حجر الأساس في صناعة الألماس، مؤكدة أن هذا المجال لا يقوم على المعاملات العابرة، بل على علاقات ممتدة تُبنى عبر سنوات من الالتزام والنزاهة. وأوضحت أن انضمامها لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة مسار طويل من إثبات الجدية واحترام القواعد الأخلاقية التي تحكم السوق الدولية. كما أشارت إلى أن حضورها داخل البورصة يهدف إلى تعزيز مبدأ التجارة الشفافة، في وقت تتزايد فيه المطالب العالمية بتتبع مصادر الأحجار وضمان خلوها من أي ممارسات غير قانونية.
وتسعى السلاوي إلى توسيع نطاق عملها من خلال فتح مكاتب جديدة تخدم المهنيين والأفراد الراغبين في ولوج سوق الألماس وفق معايير واضحة ومضمونة. كما تضع ضمن أولوياتها تعزيز حضور الزبائن الأفارقة في السوق العالمي، عبر تسهيل الولوج إلى قنوات شراء معتمدة ومصنفة، بما يرسخ موقع القارة كشريك فاعل في هذه الصناعة بدل أن تظل فقط مصدرًا للمواد الخام. وفي هذا السياق، لا تشير بعض العبارات الإعلامية التي وصفتها بأنها دخلت “بورصة دولية للنساء” إلى وجود مؤسسة منفصلة، بل هي توصيف رمزي لدورها الريادي كامرأة مغربية تقتحم فضاءً ظل لعقود طويلة حكرًا على شبكات تقليدية يغلب عليها الطابع الذكوري.
إن انضمام دينا السلاوي إلى بورصة الألماس بأنتويرب يتجاوز كونه إنجازًا شخصيًا ليحمل دلالات أوسع تتعلق بحضور الكفاءات المغربية في الصناعات العالمية عالية التخصص، وبقدرة المرأة المغربية على المنافسة في قطاعات دقيقة تتطلب خبرة تقنية وسمعة دولية راسخة. فهو يعكس مسارًا من المثابرة والتأهيل المستمر، ويؤكد أن النجاح في الأسواق النخبوية لا يتحقق إلا عبر الجمع بين المعرفة الأكاديمية، والتدريب المهني، والانضباط الأخلاقي، وبناء الثقة عبر الزمن.





