أسواقرئيسية

تحقيق AMMC في شبهات تلاعب بسهم SGTM : ما الذي حدث فعلا في جلسة 26 دجنبر؟

لم تكن جلسة 26 دجنبر 2025 مجرد يوم تداول استثنائي في بورصة الدار البيضاء، بل تحولت، في نظر عدد من الفاعلين الماليين، إلى اختبار حقيقي لصلابة السوق وآليات رقابته. بعد ساعات قليلة من التقلبات الحادة التي عرفها سهم SGTM، أطلقت الهيئة المغربية لسوق الرساميل (AMMC) تفتيشاً مفاجئاً شمل شركات وساطة ومديري أصول، في خطوة غير معتادة من حيث التوقيت والحساسية.

ورغم غياب أي إعلان رسمي عن وجود تلاعب مثبت، فإن حجم التدخل الرقابي وحده كان كافياً لإثارة سؤال مركزي: هل شهدت البورصة المغربية أول حالة ضغط منظّم على سهم حديث الإدراج، أم أن السوق كان ضحية مزيج خطير من التقنية، السيولة، وسلوك القطيع؟

سياق عام مضلل: سوق صاعدة تخفي هشاشتها

 

دخلت بورصة الدار البيضاء سنة 2025 بزخم غير مسبوق. مؤشر MASI حقق ارتفاعاً يقارب 28%، وأحجام التداول تجاوزت 110 مليارات درهم، ما أعاد الخطاب الرسمي حول “نضج السوق” و”جاذبيتها الإقليمية” إلى الواجهة. غير أن هذا الصعود السريع، وفق عدد من المتابعين، أخفى اختلالات بنيوية عميقة، أبرزها التركيز الشديد للسيولة في عدد محدود من القيم، وضعف عمق السوق مقارنة بحجم الأموال المتداولة.

في هذا السياق المشحون، جاء إدراج SGTM ليصب الزيت على نار التوقعات.

SGTM: اكتتاب تاريخي… لكن بأي توازن؟

 

اكتتاب SGTM لم يكن عادياً. طلب فاق العرض بـ34 مرة، 171 ألف مكتتب، وتعبئة مالية تناهز 2.6 مليار درهم. هذه الأرقام، وإن بدت نجاحاً باهراً، تطرح سؤالاً أساسياً: هل يعكس الطلب القيمة الحقيقية، أم دينامية مضاربة غذّتها الندرة والزخم الإعلامي؟

المعطى الأكثر حساسية يتمثل في حصول OPCVM على حوالي ربع الأسهم المطروحة. هذه الصناديق، بحكم طبيعتها، لا تتصرف كالمستثمر الفردي، بل كفاعل مؤسساتي قادر على تحريك السعر صعوداً أو نزولاً عبر أوامر مركّزة وفي توقيت دقيق. هنا تبدأ المنطقة الرمادية.

جلسة 26 دجنبر: خلل تقني أم نافذة استغلال؟

 

وفق معطيات متقاطعة من مهنيين في السوق، شهدت الجلسة خللاً في آلية الافتتاح عبر fixing، ما أدى إلى تركيز كثيف للأوامر عند مستويات سعرية مرتفعة. لكن السؤال الجوهري ليس هل وقع الخلل؟ بل: من كان قادراً على استغلاله؟

قفزة سعرية تجاوزت 100% في دقائق، ثم تصحيح عنيف في نفس اليوم، مع تداول مليوني سهم بقيمة تقارب ملياري درهم. هذه ليست حركة عشوائية في سوق ضيقة، بل نتيجة قرارات تداول ضخمة ومتزامنة. في مثل هذه الحالات، تركز AMMC عادة على ثلاث نقاط:

  • توقيت إدخال الأوامر
  • ترابط الحسابات المنفذة
  • ما إذا كان بعض المتدخلين يمتلكون موقعاً مزدوجاً (شراء وبيع عبر وسطاء مختلفين)

OPCVM و”تجميل المحافظ”: فرضية محرجة

مصادر متعددة داخل السوق تحدثت، دون تسجيل رسمي، عن فرضية “window dressing” في نهاية السنة. الفكرة بسيطة وخطيرة في آن: رفع قيمة بعض المحافظ عبر شراء مكثف لسهم صاعد، ما يحسّن الأداء السنوي الظاهري قبل إغلاق الحسابات.

لا توجد أدلة منشورة تثبت هذا السلوك، لكن التحقيق لا يتوقف عند الإثبات، بل عند من يملك المصلحة والقدرة.

ومديرو OPCVM، بحكم الأحجام التي يديرونها، هم الجهة الوحيدة القادرة على خلق موجة بهذا الحجم في جلسة واحدة.

لماذا تحركت AMMC بهذه السرعة؟

تفتيش “inopiné” ليس إجراءً روتينياً. عادة ما يُستخدم عندما ترصد الهيئة أنماطاً غير طبيعية عبر أنظمة المراقبة الخوارزمية:

  • أوامر كبيرة جداً مقارنة بمتوسط السوق
  • تكرار عمليات شراء وبيع في فترات قصيرة
  • تمركز السيولة في عدد محدود من الحسابات

إطلاق هذا التفتيش يعني أن الهيئة رأت إشارات إنذار حقيقية، حتى وإن لم تصل بعد إلى مستوى الإدانة.

الصمت الرسمي: حماية للتحقيق أم للسوق؟

حتى 29 يناير الجاري، لم تُعلن AMMC عن أي عقوبات أو أسماء. هذا الصمت يفتح بابين للتأويل:

  • إما أن التحقيق لم يثبت خرقاً قانونياً صريحاً
  • أو أن الملف معقد، ويتطلب وقتاً لتفكيك شبكات الأوامر والعلاقات بين المتدخلين

في كلتا الحالتين، يظل الرأي العام المالي أمام فراغ معلوماتي، تغذيه التسريبات والتحليلات غير الرسمية.

أثر طويل الأمد: الثقة على المحك

ما حدث مع SGTM لا يتعلق بسهم واحد فقط. إنه يطرح أسئلة أعمق حول:

  • قدرة السوق على استيعاب إدراجات ضخمة
  • شفافية سلوك المستثمرين المؤسساتيين
  • جاهزية البنية التقنية للبورصة

انهيار السهم لاحقاً، بعد نشوة البداية، أعاد للأذهان سيناريوهات فقاعة قصيرة العمر، وهو ما قد يترك أثراً نفسياً دائماً لدى المستثمرين الأفراد.

خلاصة استقصائية مفتوحة

لا يوجد، إلى الآن، حكم نهائي. لكن المؤكد أن قضية SGTM كشفت هشاشة منطقة التماس بين التقنية، السيولة، والحوكمة. التحقيق لا يختبر فقط سلوك بعض المتدخلين، بل يمتحن قدرة الإطار الرقابي المغربي على فرض قواعد لعب واضحة في سوق يتضخم بسرعة أكبر من نضجه.

ما إذا كانت هذه القضية ستنتهي بغرامات، أو بإغلاق هادئ للملف، أو بإصلاحات عميقة، فذلك ما ستحدده الأسابيع المقبلة. لكن ما هو مؤكد، أن بورصة الدار البيضاء دخلت بعد SGTM مرحلة جديدة… أقل براءة، وأكثر تعقيداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى