
كشف تقرير مشترك صدر عن صحيفة “ليكونوميست” ومكتب الدراسات “سونيرجيا” أن حوالي 64% من الشباب المغاربة البالغين بين 15 و30 عاماً يعيشون حالة من “العزلة البنكية” التامة. يعتمد هؤلاء بشكل كامل على النقد لإجراء جميع معاملاتهم اليومية، وهو ما يعني أن أكثر من 6 ملايين شاب من أصل نحو 10 ملايين في هذه الفئة العمرية خارج المنظومة المالية الرسمية، مما يعيق اندماجهم في الاقتصاد الوطني الحديث.
ويعد هذا الاستطلاع الميداني تحديثاً مهماً لدراسات سابقة أجريت في 2011 و2018 ونوفمبر 2022. إذ اعتمدت الدراسة على عينة تمثيلية تضم 1636 مشاركاً من مناطق حضرية وريفية متنوعة، مع هامش خطأ ±3%، لتسليط الضوء على واقع اجتماعي واقتصادي معقد. المؤسسات البنكية تبدو لدى الشباب أجساماً غريبة عن احتياجاتهم اليومية، خاصة مع دخول شهرية منخفضة لا تتجاوز في كثير من الحالات بضع مئات من الدراهم، خصوصاً بين العاطلين عن العمل والساكنين في القرى والأحياء الشعبية المكتظة.
ولا يعزى هذا الواقع إلى مجرد جهل بالخدمات البنكية أو خوف من التكنولوجيا الرقمية، بل إلى ما يسميه التقرير “اقتصاد القلة”. الرسوم الشهرية والمصاريف الخفية تتحول إلى عبء إضافي يلتهم المدخرات القليلة، مما يدفع الفئات الهشة إلى الالتزام بمنطقة “الأمان النقدي” بعيداً عن التعقيدات القانونية والإدارية التي تتطلب وثائق وإجراءات غالباً غير متاحة.
ويصنف التقرير الشباب وفق نموذج رباعي مستمد من دراسة نوفمبر 2022، حيث قسم نحو 10 ملايين شاب إلى أربع فئات رئيسية تعكس الانقسامات الاجتماعية العميقة. الفئة الأولى هي “المنسيون” بنسبة 26%، يعانون أزمة مالية حادة ويعتمدون كلياً على مساعدة الوالدين، غالباً ريفيون، يميلون إلى الغضب السياسي ويبحثون عن وظيفة سريعة الدخل دون طموحات بعيدة.
أما الفئة الثانية فهي “الطموحون” بنسبة 26% أيضاً، يتميزون بتساهل نسبي وتزامن ديني متوسط، يفضلون ريادة الأعمال أو فرص العمل في الخارج مثل فرنسا أو إسبانيا أو تركيا، ويرفضون المقامرة رغم تحدياتهم المالية.
الفئة الثالثة “الشباب في البناء” أو المتصلون بنسبة 30%، غالباً مراهقون حضريون من طبقات دخل منخفضة جداً، سلميّون، مرتبطون بالإنترنت ويدعمون بعضهم بعضاً، بعيدون عن التدخين والإدمان، ويبحثون عن شريكة حياة جذابة ومحجبة وبتول.
أما الفئة الرابعة فهي “النخبة المغربية الشابة” بنسبة 15%، أعمارهم بين 21 و26 عاماً، يتمتعون بدخل متوسط إلى مرتفع، متعددون اللغات، يمارسون رياضات راقية كالتيّنس وركوب الفرس، يسافرون كثيراً، يعيشون مع الوالدين لكن يفضلون الاستقلال ويتميزون بتسامح اجتماعي.
وتبرز هذه التصنيفات أن الـ36% من الشباب الذين اندمجوا في المنظومة البنكية يمتلكون قدرة أعلى على التخطيط للمستقبل من خلال ثقافة الادخار المنظم، ما يحمي مواردهم من مخاطر النقد كالسرقة أو التلف، ويتيح لهم الاستفادة من التمويلات البنكية لإطلاق مشاريع صغيرة، خصوصاً بين “الطموحين” والمتصلين. بينما تظل الغالبية الساحقة محاصرة في دائرة الهشاشة المالية التي تحول دون الاستقلال والتطور الشخصي.
وعلى الرغم من تقدم معدل البنكارية الوطني الذي بلغ 58% من البالغين بحساب بنكي واحد على الأقل بنهاية 2024، مع 38.2 مليون حساب مفتوح و883 ألف حساب جديد، 55% منها لفئة دون 25 عاماً، فإن الشباب والنساء والسكان الريفيين ما زالوا الأكثر تأخراً مقارنة بالمعدل الوطني، وفق تقارير بنك المغرب والبنك الدولي.
ويخلص التقرير إلى وصف حاد للواقع بأن “البنك يمثل عالماً غريباً” لغالبية الشباب المغربي. ويطالب بإعادة هيكلة تكلفة الخدمات البنكية وتبسيطها لتتلاءم مع القدرة الشرائية المحدودة لهذه الفئة، مع تعزيز الرقمنة والشراكات الاستراتيجية مع شركات التكنولوجيا المالية FinTech بدلاً من الاعتماد على حملات إعلانية تقليدية غير فعالة.
ويهدف التقرير إلى دمج “المنسيين” والطموحين في الدورة الاقتصادية الوطنية، وتحويل أحلامهم الكبيرة إلى واقع ملموس يسهم في نمو المغرب بشكل مستدام. ويضع الشباب في قلب اقتصاد رقمي حديث، يتيح فرص الادخار والاستثمار والمشاركة الفعلية في المشاريع الإنتاجية، ويخفف الفوارق الاجتماعية التي تحول دون اندماجهم الكامل في الحياة الاقتصادية الحديثة.






