
نظمت الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب (CGEM)، اليوم بالدار البيضاء، لقاءً موسعاً مع المدير العام للمديرية العامة للضرائب، يونس إدريسي قيطوني، بحضور رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، شكيب العلج، وذلك في إطار مناقشة مضامين قانون المالية لسنة 2026 وتداعياته على النسيج المقاولاتي الوطني، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة.
اللقاء، الذي شارك فيه أعضاء المجلس الوطني للمقاولة التابع للـCGEM، خُصص لعرض وشرح أبرز المقتضيات الجبائية التي جاء بها قانون مالية 2026، إلى جانب فتح نقاش مباشر بين الإدارة الضريبية والفاعلين الاقتصاديين حول الإشكالات العملية المرتبطة بتنزيل هذه المقتضيات، وعلى رأسها نظام الاقتطاع من المنبع والجبايات المحلية، وكذا سبل توحيد وتأطير العلاقة بين المقاولة والإدارة.
وأكد شكيب العلج، في كلمته الافتتاحية، أن هذا اللقاء ينعقد في “سياق إيجابي” للاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن التوقعات ترجح تحقيق نمو يفوق 5 في المائة خلال سنة 2026، في ظل تضخم متحكم فيه، وتطور ملحوظ في الموارد الجبائية التي سجلت ارتفاعاً بأكثر من 14 في المائة خلال سنة 2025، بما يعكس دينامية استثمارية ومالية متصاعدة. واعتبر أن المغرب “منخرط في دائرة حميدة” قوامها تعزيز الاستثمارات العمومية بما يخلق فرصاً إضافية أمام المقاولات، ويحفز النمو، ويرفع المداخيل الجبائية، مما يتيح للدولة إعادة ضخ الموارد في مشاريع جديدة وتعزيز هذه الدينامية.
وشدد رئيس الـCGEM على أن الارتفاع المستدام للموارد الضريبية ينبغي أن يستند أساساً إلى توسيع الوعاء الجبائي عبر إدماج أكبر للقطاع غير المهيكل في الاقتصاد المنظم، ودعم نمو الاقتصاد الحقيقي ورفع تنافسية وجودة النسيج الإنتاجي، بدل الاقتصار على الضغط على القاعدة الجبائية الحالية. كما دعا إلى استكمال ورش الإصلاح الضريبي الشامل بإطلاق ورش موازٍ لإعادة هيكلة الجبايات المحلية، بما يضمن وضوحاً أكبر في الرسوم المفروضة على المقاولات، ويحد من تعدد وتداخل الضرائب المحلية التي غالباً ما تشكل مصدر خلاف بين الجماعات الترابية والفاعلين الاقتصاديين.
توضيحات بشأن كيفية تفعيل عدد من مقتضيات قانون مالية 2026
من جانبه، قدم المدير العام للضرائب توضيحات بشأن كيفية تفعيل عدد من المقتضيات الجديدة الواردة في قانون مالية 2026، لاسيما ما يتعلق بمراجعة شرائح وأسعار الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل، وإعادة تكييف بعض أحكام الضريبة على القيمة المضافة، فضلاً عن المستجدات الإجرائية المرتبطة بالمراقبة والفوترة الإلكترونية وتبسيط المساطر. وأكد أن هذه التعديلات تندرج في إطار استمرارية الإصلاح الجبائي الرامي إلى تعزيز عدالة النظام الضريبي، ودعم الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال عبر مزيد من الشفافية وقابلية التوقع بالنسبة للمقاولات.
وشكل موضوع الاقتطاع من المنبع أحد أبرز محاور النقاش، حيث أثارت المقاولات عدة إشكالات تتعلق بتأثير هذا النظام على الخزينة والقدرة على تدبير السيولة اليومية، خصوصاً بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة ومقدمي الخدمات. كما تم التطرق إلى إشكالات الجبايات المحلية، من قبيل تعدد المتدخلين، وعدم انسجام بعض الرسوم مع طبيعة الأنشطة الاقتصادية، والفوارق بين الجماعات الترابية في تفسير وتطبيق المقتضيات نفسها، مما يخلق حالة من عدم اليقين الجبائي لدى المستثمرين.
وتناول المتدخلون أيضاً أثر المقتضيات الجديدة لقانون مالية 2026 على تنافسية المقاولة المغربية في سياق دولي وإقليمي متحرك، خاصة فيما يتعلق بمستويات الضغط الجبائي مقارنة بالمعايير المعتمدة في بلدان شريكة، ولا سيما نسب الضريبة على الشركات التي تتراوح، وفق بعض المراجع المهنية، بين 20 في المائة للمقاولات الصغرى والمتوسطة التي تقل أرباحها عن 100 مليون درهم، و35 في المائة بالنسبة للمقاولات الكبرى، ابتداءً من فاتح يناير 2026. وتم التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين حاجة الدولة إلى تمويل السياسات العمومية والحفاظ على جاذبية المغرب كوجهة للاستثمار، خاصة في القطاعات الصناعية المصدرة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.
كما أتاح اللقاء فرصة لاستعراض المؤشرات الماكرو-اقتصادية التي تستند إليها فرضية نمو الاقتصاد الوطني خلال سنة 2026 بنحو 5 في المائة، بعد تقديرات تقارب 4,7 في المائة سنة 2025، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، والتي تربط هذا الأداء بانتعاش القيمة المضافة الفلاحية واستمرار دينامية القطاعات غير الفلاحية في سياق يتسم باستقرار نسبي للأسعار. وتم التذكير بأن السياسة الجبائية تشكل إحدى الرافعات الأساسية لدعم هذه التوقعات من خلال تشجيع الاستثمار، ودعم الاستهلاك، وتوجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية.
وتندرج هذه المبادرة ضمن سلسلة لقاءات أطلقتها CGEM مع مختلف الإدارات والمؤسسات المعنية بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية، من بينها لقاءات سابقة مع مكتب الصرف حول مستجدات تعليمات عمليات الصرف لسنة 2026، ولقاء مرتقب حول المقتضيات الجديدة لقانون مالية 2026 بمقر الاتحاد خلال الأيام المقبلة، بما يعكس رغبة المنظمة المهنية في الاضطلاع بدور حلقة وصل بين الإدارة والنسيج المقاولاتي.
كما تأتي هذه الدينامية في سياق جهود حكومية تروم الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية وتقليص عجز الميزانية إلى نحو 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام في أفق 2026، مع ضبط مستويات المديونية وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.
وخلصت أشغال اللقاء إلى التأكيد على مواصلة الحوار المنتظم بين الـCGEM والمديرية العامة للضرائب حول مختلف الأوراش الجبائية المفتوحة، مع العمل على معالجة الإشكالات التطبيقية التي تواجه المقاولات، خاصة في ما يتعلق بالاقتطاع من المنبع، ومساطر المراقبة، والجبايات المحلية، بهدف بلورة رؤية مشتركة تضمن تعبئة الموارد الجبائية بشكل عادل، وتدعم في الآن ذاته تنافسية واستدامة النسيج الاقتصادي الوطني.






