تشهد الخطوط الملكية المغربية مرحلة جديدة من التحول الاستراتيجي، تروم تعزيز تنافسيتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتطوير تجربة المسافرين، وفق رؤية تمتد حتى سنة 2037. هذه الدينامية، التي عرض ملامحها وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح أمام البرلمان، تعكس إرادة مشتركة بين الدولة والشركة الوطنية لإعادة تموقع «لارام» كلاعب رئيسي في صناعة الطيران العالمية، بعد سنوات من التقلبات التي فرضتها جائحة «كوفيد-19» وسياقات الأسواق الطاقية العالمية.
أوضح قيوح أن الخطوط الملكية المغربية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تجديد نحو 60 في المائة من أسطولها، عبر اقتناء طائرات حديثة مزودة بخدمة الإنترنت وشاشات ذات جودة عالية، ما جعلها في مصاف الشركات الرائدة عربياً وإفريقياً في هذا المجال. ويشمل برنامج التحديث إدخال طائرات من طراز «بوينغ 737 ماكس» و«بوينغ 787 دريملاينر» وموديلات جديدة من «إيرباص»، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود وتقليص البصمة الكربونية.
هذا التوجه التقني، حسب عبد الصمد قيوح، لا ينفصل عن أهداف التنمية المستدامة التي تبنتها الشركة في السنوات الأخيرة، خصوصاً في ما يتعلق بالتحول نحو الطيران الأخضر واستخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في صيانة الأسطول وتدبير العمليات الجوية.
في موازاة التحديث التقني، ركزت الشركة على تحسين تجربة الزبناء، وهو ما انعكس على مستوى الرضا العام الذي تراوح بين 79 و82 في المائة خلال السنوات الثلاث الماضية. وترى إدارة «لارام» أن رضا المسافرين أصبح أحد المؤشرات الرئيسية لتقييم الأداء، إذ طورت الشركة نظام «RAM Media» الذي يتيح للمسافرين تصفح محتويات ترفيهية وإخبارية على متن الرحلات، إلى جانب إطلاق مجلة «SAFAR MAGAZINE» لربط المسافرين بعوالم الثقافة والسفر المغربيين.
كما تم تحسين الخدمات الأرضية بشكل ملحوظ، من خلال افتتاح قاعة رجال الأعمال الجديدة بمطار محمد الخامس سنة 2025، وإعادة تأهيل القاعات الخاصة بكل من مراكش وباريس (أورلي)، بما ينسجم مع المعايير الدولية للضيافة والمطارات العالمية.
أما في الشق الرقمي، فقد استثمرت الخطوط الملكية المغربية في تعميم أجهزة التسجيل الذاتي بالمطارات وتطوير منصاتها الرقمية، التي تتيح للمسافرين حجز التذاكر، واختيار المقاعد، وتدبير الرحلات بسهولة، إلى جانب إدماج وسائل أداء رقمية متطورة. ولم تغفل الشركة الجانب البشري، إذ تخضع أطقم الطيران لتكوينات مستمرة تواكب المعايير الدولية في السلامة والجودة والخدمة.
قيوح: عقد البرنامج يرتكز على خطة بعيدة المدى
يرتكز عقد البرنامج الموقع بين الدولة والخطوط الملكية المغربية على خطة بعيدة المدى، تهدف إلى رفع عدد الطائرات إلى 200 طائرة بحلول سنة 2037. ويشكل هذا الهدف تحولاً نوعياً في تاريخ الشركة التي تسعى إلى مضاعفة قدرتها الاستيعابية خلال العقد المقبل.
وتشير خارطة الطريق إلى أن «لارام» ستتسلم 11 طائرة جديدة سنة 2025، لترتفع حظيرتها من 52 إلى 63 طائرة، تليها 9 طائرات سنة 2026، ثم 13 طائرة سنة 2027، ليصل العدد الإجمالي إلى 72 طائرة. ومن المنتظر أن يستمر هذا النسق التصاعدي حتى بلوغ سقف 200 طائرة في أفق عقد من الزمن، مع ما يعنيه ذلك من توسع في شبكة الخطوط الدولية والداخلية على حد سواء.
واستطرد الوزير قيوح موضحاً أن الخطوط الملكية المغربية تعتمد نظام تسعير ديناميكي يستجيب لتغيرات العرض والطلب، خصوصاً خلال فترات الذروة كالعطلة الصيفية ومواسم عودة مغاربة العالم. وتعمل الشركة على مواجهة الضغط الموسمي عبر استئجار طائرات إضافية مؤقتاً وزيادة عدد الرحلات نحو الوجهات الأكثر طلباً، خاصة من أوروبا إلى المغرب.
ويتيح هذا النظام المرن التحكم في الكلفة التشغيلية ومنع الارتفاع غير المبرر في الأسعار، مع الحفاظ على جودة الخدمات. كما تؤكد الشركة التزامها بتعزيز تنافسية الأسعار مقارنة بالناقلين الإقليميين، في ظل التحديات التي تفرضها شركات الطيران منخفضة التكلفة.
ضمن مقاربة شمولية تهدف إلى تحقيق العدالة المجالية، تواصل الخطوط الملكية المغربية دعم النقل الجوي الداخلي بشراكة مع وزارة الداخلية ومجالس الجهات. وتضمن هذه الاتفاقيات استمرارية الخطوط الداخلية بأسعار مناسبة تراعي القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في المدن البعيدة عن المراكز الكبرى.
هذا التوجه يأتي في سياق وطني يسعى إلى تعزيز الربط بين الجهات وتشجيع الاستثمار والسياحة الداخلية، خصوصاً في المناطق الجنوبية والشرقية التي تعرف نمواً مطرداً في الطلب على النقل الجوي.
لا تقتصر طموحات «لارام» على السوق المحلي، إذ تستعد لإطلاق خطوط جديدة انطلاقاً من الدار البيضاء نحو وجهات استراتيجية تشمل بكين، ساو باولو، تورونتو، جزيرة سال (الرأس الأخضر)، كاتانيا (إيطاليا) ونجامينا (تشاد). ويرى محللون أن هذا التوسع يشكل رهانا محورياً لتعزيز تموقع المغرب كمركز جوي بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين وآسيا، مستفيداً من موقعه الجغرافي المتميز وبنيته التحتية الجوية المتطورة.
ومن المنتظر أن يسهم هذا التوسع في استقطاب المزيد من السياح والمستثمرين، ودعم المبادلات التجارية مع الشركاء الاقتصاديين للمغرب، وخاصة في إفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية، حيث يتطلع المغرب إلى توطيد حضوره السياسي والاقتصادي.






