رئيسيةمتابعات

مجلس المنافسة يفضح فواتير وهمية وممارسات تدليسية في سوق الإسمنت

كشف مجلس المنافسة، في رأيه الاستشاري رقم ر/3/25 الصادر في فبراير 2026 بشأن السير التنافسي لسوق مواد البناء مع اتخاذ سوق الإسمنت نموذجًا، عن رصد ممارسات تدليسية مرتبطة ببيع الإسمنت بالتقسيط من طرف بعض التجار المعروفين في السوق باسم “الكلسات”. وأوضح الرأي أن بعض الموزعين يعمدون، مقابل مبالغ مالية، إلى تزويد منعشين عقاريين بفواتير لا تعكس الكميات الحقيقية المقتناة، بما يشكل فواتير صورية أو غير مطابقة للواقع، وهو ما من شأنه التأثير سلبًا على شفافية المعاملات والإضرار بقواعد المنافسة، خصوصًا في ظل اتساع نطاق القطاع غير المهيكل الذي يستحوذ على حصة مهمة من هذه العمليات، حيث تتم معاملات عديدة نقدًا ودون إصدار فواتير نظامية.

وأكد المجلس أن صناعة الإسمنت في المغرب تضطلع بدور استراتيجي في دعم مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى ارتباطها الوثيق بأوراش البنية التحتية الكبرى وبرامج التوسع الحضري والسكن. وأشار إلى أن المنظومة الصناعية الوطنية قادرة على تلبية حاجيات السوق من حيث الكميات ومعايير الجودة، مستندة إلى قدرات إنتاجية مهيكلة واستثمارات متراكمة. وبيّن الرأي أن مادة الإسمنت تمثل نسبة مؤثرة من كلفة البناء، إذ تقدر بحوالي 10.42 في المائة من تكلفة إنجاز المساكن ذات القيمة العقارية المنخفضة، وتنخفض إلى نحو 8.20 في المائة بالنسبة إلى السكن الاجتماعي، ما يعكس وزنها في معادلة الكلفة الإجمالية للمشاريع السكنية.

وسجل المجلس كذلك أن هذه الصناعة تساهم في تعزيز السيادة الوطنية عبر ضمان تزويد منتظم ومستدام للسوق الداخلية، مع تقليص التبعية للخارج في مادة أساسية للبناء. كما أبرز التقدم المحرز على مستوى التحكم في الأثر البيئي، من خلال تثمين النفايات الصناعية والمنزلية واستعمالها كمصادر بديلة للطاقة في عمليات الإنتاج، في اتجاه مزيج طاقي أكثر استدامة. وتوقع الرأي أن يتعزز دور القطاع في المرحلة المقبلة، سواء في سياق إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز أو في إطار الاستعداد لتنظيم تظاهرات رياضية دولية تستلزم استثمارات إضافية في البنيات التحتية.

 

مجلس المنافسة: 3 شركات تستحوذ على 80 في المائة من الطلب

وعلى مستوى بنية السوق، أشار مجلس المنافسة إلى وجود درجة تركّز مرتفعة، حيث تستحوذ ثلاث مجموعات رئيسية هي “LafargeHolcim Maroc” و“Ciments du Maroc” و“Ciments de l’Atlas” على ما بين 80 و90 في المائة من الطلب الوطني الموجه لأوراش البناء. وبلغ حجم هذا الطلب حوالي 9.1 ملايين طن سنة 2024، بقيمة إجمالية تقارب 9.654 مليارات درهم. واعتبر المجلس أن هذه البنية تعكس نموذجًا قريبًا من الاحتكار الثنائي أو القلة شبه الاحتكارية، وهو نمط شائع في صناعة الإسمنت عالميًا بحكم وفورات الحجم وكلفة الاستثمار المرتفعة، غير أنه قد يطرح مخاطر محتملة مرتبطة بإمكانية تنسيق السلوكيات بين الفاعلين، خاصة في ما يتعلق بأسعار الإسمنت واسع الاستعمال، بالنظر إلى تجانس المنتوج وشفافية مكوناته السعرية.

كما أبرز الرأي الدور المحوري الذي يضطلع به الموزعون، الذين يؤمّنون حوالي 92 في المائة من الطلب المرتبط بالبناء السكني، ما يمنحهم تأثيرًا كبيرًا في توجيه السوق. واعتبر المجلس أن بنية السوق الحالية قد تفضي إلى اختلالات على مستوى سلسلة القيمة، بما في ذلك سوق الكلنكر وسوق الخرسانة الجاهزة، مشيرًا إلى أن بعض محطات الخرسانة الصغيرة لا تتوفر على إشهاد إلزامي يضمن مطابقة المنتوج للمعايير التقنية المعتمدة. وفي المقابل، لفت إلى أن أسعار الإسمنت في المغرب تظل، في المتوسط، أقل من نظيراتها في عدد من الدول الأوروبية، رغم اختلاف السياقات الضريبية وكلفة الطاقة والنقل.

وبناءً على هذه المعطيات، دعا مجلس المنافسة إلى اتخاذ جملة من التدابير لتعزيز السير التنافسي للسوق، من بينها إرساء منظومات جهوية لتثمين المواد المحلية التي تتوفر على مكامن مهمة وتتميز بخصائص تقنية، خاصة في ما يتعلق بالعزل الحراري، وذلك في إطار مقاربة شمولية قائمة على شراكات بين القطاعين العام والخاص تضم مختلف المتدخلين. كما أوصى بتنظيم حملات تحسيسية لفائدة مهنيي البناء والهندسة المعمارية لتشجيع اعتماد نماذج بناء مستدامة تحقق توازنًا بين الكلفة والجودة.

وشدد المجلس على أهمية دعم البحث والتطوير والابتكار بهدف تطوير بدائل للخرسانة التقليدية وإنتاج أصناف إسمنت أكثر صداقة للبيئة، بالاعتماد على منتجات ثانوية صادرة عن صناعات أخرى، في إطار شراكات مع المراكز التقنية والمعاهد المتخصصة. كما دعا إلى تقنين نشاط “الكلسات” وإخضاع محطات الخرسانة الجاهزة لنظام إشهاد إلزامي، إلى جانب تعزيز آليات المراقبة داخل الأوراش لضمان احترام المعايير التقنية وقواعد المنافسة والشفافية في المعاملات التجارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى