
لم يكن موسم صيف 2025 عادياً بالنسبة لعدد كبير من مغاربة العالم. ورغم الأرقام الرسمية التي تؤكد ارتفاع عدد الوافدين بنسبة فاقت 10 في المئة مقارنة بالسنة الماضية، فإن النقاش في الأوساط الإعلامية وعلى مواقع التواصل كان له اتجاه آخر: تكاليف مرتفعة، استياء واسع، وقرارات متزايدة بإلغاء زيارة المغرب لصالح وجهات أرخص وأقل ازدحاماً.
المؤشرات الأولى على هذا التحول ظهرت مع بداية موسم العبور، حيث أطلقت فئات واسعة من الجالية المقيمة بأوروبا نداءات عبر الإنترنت احتجاجاً على أسعار تذاكر الطيران والعبّارات التي وصفت بـ”الخيالية”، خاصة خلال النصف الثاني من يونيو وبداية يوليو. وبحسب شهادات متقاطعة، فإن كلفة تذكرة السفر من بعض المدن الأوروبية إلى مطارات المغرب تجاوزت في كثير من الحالات ضعف ما كانت عليه في المواسم السابقة، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة، مع غياب العروض المخفَّضة التي كانت في وقت سابق عاملاً مشجعاً لبرمجة السفر الصيفي.
الأمر لم يقتصر على الطيران. العبور البحري بدوره عرف زيادات لافتة، سواء عبر الخطوط الإيطالية أو الإسبانية. الزائرون المغاربة الذين يعتمدون على سياراتهم الخاصة للوصول إلى أرض الوطن، وجدوا أنفسهم أمام تكاليف تتجاوز أحياناً 4000 يورو للتذكرة الواحدة، تشمل السيارة وأفراد الأسرة، مع تسجيل نقص في عدد الرحلات خلال بعض الفترات، ما زاد من الضغط على خطوط معينة.
وعند الوصول، وجد الكثيرون أن ما ينتظرهم لا يقل تعقيداً. الإقامة الصيفية في مدن مثل مراكش، أكادير، السعيدية، طنجة، أو الحسيمة، تحولت إلى تحدٍّ مالي حقيقي. فأسعار كراء الشقق والفنادق شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، خاصة خلال شهري يوليوز وغشت. وفي بعض الحالات، تضاعفت الأسعار مقارنة بالسنة الماضية، دون أن يقابل ذلك تحسّن يذكر في الخدمات أو البنية التحتية.
في مدينة الحسيمة مثلاً، وهي من أبرز الوجهات المفضلة لدى الجالية، اشتكى عدد من الزوار من أسعار “غير مبررة”، سواء في الإقامات أو الأنشطة البحرية والمطاعم. كما شهدت وسائل التواصل تداول واسع لفواتير من بعض المقاهي والمطاعم، أظهرت ارتفاعاً كبيراً في أسعار المشروبات والوجبات البسيطة، إلى حدّ أثار استغراب حتى المقيمين المحليين.
ويبدو أن كراء السيارات بدوره دخل على خط الانتقادات. الزوار أكدوا أن الطلب المرتفع خلال الصيف فتح المجال أمام ممارسات استغلالية من طرف بعض الوكالات، خاصة الصغيرة منها، حيث ارتفعت الأسعار بشكل غير منضبط، وسط غياب أي تدخل تنظيمي أو رقابي.
كل هذه العوامل دفعت بعض العائلات المغربية المقيمة في الخارج إلى إعادة ترتيب أولوياتها. عدد غير قليل منها اختار إلغاء السفر إلى المغرب هذا العام، أو تأجيله إلى الخريف. والبعض الآخر فضّل التوجه نحو وجهات بديلة مثل جنوب إسبانيا، تركيا، اليونان، وحتى البرتغال. هذه الوجهات، بحسب من التقاهم طاقم التحرير، توفّر عروض إقامة وسياحة بأسعار منافسة، مع خدمات أفضل في كثير من الحالات.
مصادر من وكالات أسفار بالخارج أكدت وجود تحول في الطلب منذ بداية يونيو، حيث تراجعت حجوزات السفر إلى المغرب، مقابل انتعاش في الطلب على بلدان متوسطية أخرى، لا سيما بعد تقارير إعلامية ومداخلات برلمانية تناولت مسألة ارتفاع التكاليف في المغرب. كما تحدثت هذه المصادر عن تزايد استفسارات الزبائن حول الوجهات البديلة التي تتيح إقامة عائلية معقولة الثمن دون تنازل كبير عن جودة الخدمات.
رغم ذلك، تشير الإحصائيات الرسمية إلى استمرار تدفّق عدد كبير من مغاربة العالم نحو المغرب. وزارة الخارجية ومؤسسة محمد الخامس للتضامن أفادت بأن عدد الوافدين تجاوز 2.7 مليون شخص حتى بداية غشت، ما يمثل زيادة مهمة مقارنة بالسنة الماضية. لكن هذه الأرقام، بحسب ملاحظين، لا تعكس بالضرورة نوعية التجربة أو مستوى الرضا العام، كما أن شريحة ممن اختارت عدم العودة قد لا تظهر في الأرقام المرتبطة بالموسم الصيفي.
في موازاة ذلك، بدأت بعض الأصوات داخل البرلمان والمجتمع المدني تطالب بتدخل حكومي للحد من التكاليف، خاصة على مستوى النقل الجوي والبحري. كما دعت إلى تنظيم قطاع الإيواء الموسمي وفرض مراقبة صارمة على الأسعار، حمايةً لصورة البلاد وثقة الجالية.
قطاع السياحة بدوره معني بهذه التطورات. فالجالية المغربية تمثل شريحة مهمة من زبناء الفنادق والمطاعم والأنشطة السياحية في أشهر الصيف، وتشكل نسبة مهمة من المداخيل في مدن متعددة. وإذا استمرت هذه الموجة من التململ، فمن المحتمل أن يعاد النظر في السياسات التسويقية التي تركّز على الجالية كرافعة سياحية موسمية.
أما على مستوى الترويج، فتبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة تضع القدرة الشرائية للمهاجرين في الاعتبار، بدل تقديم عروض تسويقية لا تعكس الواقع. كما قد يكون من المفيد تطوير منتجات سياحية موجهة للجالية بأسعار تفضيلية، وتحسين تجربة العودة ككل، خصوصاً على مستوى النقل والاستقبال والمرافق العامة.
في المقابل، يظل الرهان مفتوحاً على عودة الأمور إلى نصابها خلال الموسم المقبل، شريطة تقييم ما حدث هذا الصيف بواقعية، والعمل على معالجة الإشكالات التي دفعت البعض للعزوف أو التردد. فالجالية المغربية بالخارج، رغم ارتباطها الوجداني القوي بالوطن، بدأت تحسب خطواتها بعين اقتصادية أكثر من أي وقت مضى.






