متابعات

مفتش الشغل في المغرب: أدواره، مهامه وحدود صلاحياته بين الرقابة والوساطة

يُعد مفتش الشغل في المغرب أحد أهم الفاعلين في منظومة الحماية الاجتماعية والاقتصادية، لأنه يشكل حلقة الوصل بين المشرع وأرباب العمل والأجراء، ويضطلع بدور محوري في مراقبة احترام مدونة الشغل وتسوية النزاعات والوقاية من المخاطر المهنية، بما يحافظ على السلم الاجتماعي داخل المقاولات وسوق الشغل عموماً.

فالمشرع، من خلال القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، خصّ مفتشي الشغل بباب كامل ضمن “أجهزة المراقبة”، وأناط بهم مهمة السهر على تنفيذ المقتضيات التشريعية والتنظيمية والتعاقدية المتعلقة بعلاقات الشغل وحماية الأجراء.

الإطار المؤسسي والتنظيمي لمفتش الشغل

مفتش الشغل هو في الأصل موظف عمومي تابع للوزارة المكلفة بالشغل، ينجز مهامه في إطار جهاز تفتيش الشغل الوطني، إلى جانب أجهزة تفتيش خاصة بقطاعات أخرى كالطاقة والمعادن والملاحة البحرية وبعض المرافق العمومية. غير أن الصورة الغالبة في الواقع ترتبط بالمفتشين العاملين في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات والفلاحة والصناعة التقليدية.

ويعمل مفتشو الشغل داخل بنية تراتبية إدارية تضم مفتشي الشغل الإقليميين والجهويين، تحت سلطة المصالح المركزية للوزارة الوصية، مع توزيع ترابي يهدف إلى تغطية مختلف العمالات والأقاليم والمناطق الصناعية والضيعات الفلاحية الكبرى.

الأساس القانوني والدولي لمشروعية التفتيش

تستمد مؤسسة مفتش الشغل مشروعيتها من التزام الدولة بتأمين شروط العمل اللائق وحماية كرامة الأجير، ومن انخراط المغرب في الاتفاقيات الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية بشأن تفتيش الشغل في الصناعة والتجارة والفلاحة، والتي تشدد على استقلالية أعوان التفتيش وضمان حصانتهم خلال ممارسة مهامهم الرقابية.

وعليه، فالمفتش لا يمثل فقط جهازاً إدارياً تقنياً، بل يجسد وظيفة حمائية ووقائية ورقابية تستهدف موازنة العلاقة غير المتكافئة أصلاً بين الأجير والمشغل، وتطويق مصادر الاحتقان الاجتماعي والنزاعات الجماعية والفردية.

المهام الرقابية وتنفيذ مقتضيات مدونة الشغل

من أولى المهام الجوهرية لمفتش الشغل السهر على تنفيذ المقتضيات التشريعية والتنظيمية والتعاقدية المتعلقة بالشغل في المؤسسات الصناعية والتجارية والخدماتية، والضيعات الفلاحية والغابوية، ومقاولات الصناعة التقليدية، وبعض المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي أو التجاري الخاضعة لمدونة الشغل.

وتشمل هذه المراقبة احترام مقتضيات الأجور، وساعات العمل، والراحة الأسبوعية، والعطلة السنوية، وتنظيم الشغل الليلي والعمل المؤقت، والعمل لبعض الفئات الخاصة كالنساء والقاصرين والعمال ذوي الإعاقة، إضافة إلى التحقق من احترام مقتضيات الضمان الاجتماعي والتغطية عن حوادث الشغل والأمراض المهنية.

آليات المراقبة والزيارات الميدانية

تتم المراقبة أساساً عبر زيارات ميدانية للمقاولات، قد تكون دورية مبرمجة أو فجائية عند رصد خروقات أو توصل المفتش بشكايات من أجراء أو نقابات أو سلطات محلية.

وخلال هذه الزيارات، يحق للمفتش الدخول إلى مقرات العمل في أوقات الشغل، والاطلاع على السجلات والوثائق المرتبطة بالأجراء والأجور وساعات العمل والعقود، واستجواب الأجراء والممثلين النقابيين، سواء على انفراد أو بحضور المشغل، مع تحرير تقارير مفصلة حول المخالفات أو الملاحظات المسجلة.

حماية الصحة والسلامة المهنية

يشكل جانب حماية الصحة والسلامة داخل أماكن العمل محوراً أساسياً في عمل مفتش الشغل، إذ يراقب احترام قواعد السلامة وتوفير التجهيزات الضرورية لحماية الأجراء من الأخطار، مثل معدات الوقاية الفردية، وأنظمة التهوية، وإجراءات الوقاية من الحرائق، وتنظيم المخازن والآلات.

كما يراقب سير المصالح الطبية للشغل داخل المؤسسات الكبرى، ويتعاون مع أطباء الشغل لتتبع ظروف العمل وتأثيرها على الصحة المهنية، ويوجه توصيات تقنية لتصحيح الاختلالات وإبعاد الأجراء عن الأشغال الخطرة عند الاقتضاء.

الدور الاستشاري والإرشادي

لا تقتصر وظيفة المفتش على ضبط المخالفات، بل تمتد إلى تقديم النصح والإرشاد للمشغلين والأجراء حول سبل احترام النصوص القانونية وتكييف ممارساتهم مع مقتضيات المدونة والاتفاقيات الجماعية.

فهو ينقل المعرفة القانونية إلى فضاء المقاولة، ويشرح للمشغلين التزاماتهم وكيفية تنظيم عقود الشغل وأنظمة الأجور والضمان الاجتماعي، كما يوضح للأجراء حقوقهم وواجباتهم ومسطرة التظلم والصلح، مما يجعله جهة استشارية وقائية بقدر ما هو جهاز رقابي.

تسوية نزاعات الشغل الفردية

بمقتضى المادة 532 من مدونة الشغل، يتولى مفتش الشغل إجراء محاولة الصلح في النزاعات الفردية الناشئة عن تطبيق أحكام المدونة أو عقود الشغل.

فعند تقديم شكاية، يقوم المفتش بتسجيلها واستدعاء الطرف الآخر، والاستماع إلى أقوالهما، والسعي إلى تقريب وجهات النظر للوصول إلى اتفاق ودي. وإذا نجحت المسطرة، يُحرَّر محضر بالاتفاق النهائي أو الجزئي يوقعه الطرفان ويوقعه المفتش، ويكتسي قوة خاصة، خصوصاً في حالات الفصل عن الشغل المنصوص عليها في المادة 41.

أما إذا تعذر الصلح، فيحرر المفتش محضراً بعدم التصالح يُستعان به أمام القضاء، ويُعتبر وثيقة ذات حجية في إثبات محاولة التسوية الودية.

تسوية نزاعات الشغل الجماعية

يضطلع مفتش الشغل بدور مهم في النزاعات الجماعية، حيث ينظم جلسات تجمع ممثلي الأجراء (غالباً النقابات) والمشغلين أو منظماتهم المهنية، سعياً لإيجاد حلول توافقية تمنع التصعيد.

وعند فشل الصلح، يُحال النزاع إلى اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة، ويضطلع المفتش بدور الكاتب المقرر، مع رفع تقارير دورية للسلطات حول تطور النزاع والإضرابات، مما يعكس دوره كعين ميدانية للدولة على مناخ العلاقات المهنية.

صلاحيات الضبط وتحرير المحاضر

يملك مفتش الشغل صلاحيات قانونية مهمة في ضبط المخالفات، إذ يمكنه توجيه إنذارات للمشغلين لتصحيح الوضع داخل أجل محدد، أو تحرير محاضر بالمخالفات تُحال على النيابة العامة للمتابعة الزجرية.

وتتمتع هذه المحاضر بقوة إثباتية خاصة باعتبارها محررة من طرف أعوان رسميين، وتشكل أداة ضغط قانونية لضمان احترام القوانين الاجتماعية.

التزامات مفتش الشغل وضمانات الاستقلالية

في مقابل صلاحياته، يخضع مفتش الشغل لواجبات مهنية وأخلاقية، أبرزها السر المهني، والحياد، واحترام المساطر القانونية. كما تضمن الاتفاقيات الدولية ومدونة الشغل حمايته من الضغوط أو التهديدات، بما يكفل أداء مهامه باستقلالية.

التحديات العملية والإشكالات المطروحة

رغم مكانته القانونية، تواجه مؤسسة تفتيش الشغل تحديات عملية، منها الخصاص في الموارد البشرية مقارنة باتساع النسيج المقاولاتي، وضعف الوسائل اللوجستية، والحاجة إلى تكوين مستمر في ظل تطور التشريع وظهور أشكال جديدة من العمل كالعمل عبر المنصات الرقمية والعقود المرنة.

كما تثار نقاشات حول حجية محاضر مفتشي الشغل أمام القضاء ومدى إلزامية مسطرة الصلح قبل اللجوء إلى المحكمة، إضافة إلى ضرورة تعزيز التنسيق مع باقي أجهزة الحماية الاجتماعية.

حصيلة الدور وآفاق التطوير

رغم التحديات، تبقى مفتشية الشغل عاملاً أساسياً في تقليص النزاعات والوقاية من الانتهاكات الجسيمة، إذ تسهم مساطر الصلح في تسويات ودية عديدة تغني عن التقاضي. كما أن وجود جهاز تفتيش فعّال يعزز ثقافة الامتثال للتشريعات الاجتماعية ويحسن صورة المغرب لدى المستثمرين.

وبذلك يظهر مفتش الشغل كفاعل مركزي في تنظيم سوق الشغل وضمان التوازن بين متطلبات الاستثمار وحماية الحقوق الاجتماعية، جامعاً بين الرقابة والوساطة والاستشارة. ومع التحولات الاقتصادية الراهنة، يتعزز الرهان على تطوير هذه المؤسسة وتعزيز مواردها لضمان السلم الاجتماعي داخل المقاولات المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى