
من المغرب إلى نيجيريا.. تعكس التوقعات الماكرو-اقتصادية في أفق سنة 2026 (تحديث يناير) تحوّلًا بنيويًا في المشهد الاقتصادي الإفريقي، حيث لم تعد القارة كتلة متجانسة في مسارات النمو، بل فضاءً متعدد السرعات والنماذج. فالناتج الداخلي الإجمالي الاسمي لإفريقيا، المقدر بنحو 3.32 تريليون دولار، يخفي وراءه تركّزًا واضحًا للقوة الاقتصادية، إذ تستحوذ أكبر عشر اقتصادات على حوالي 68% من هذا الإجمالي، وفق معطيات صندوق النقد الدولي. هذا التفاوت لا يرتبط فقط بحجم الموارد، بل يعكس بالأساس اختلاف الخيارات الاستراتيجية، ودرجة نضج المؤسسات، وقدرة الدول على تحويل النمو إلى مسار مستدام.
في هذا السياق، يبرز المغرب كنموذج للاستقرار الاقتصادي النسبي داخل القارة. فبناتج داخلي إجمالي يبلغ 196.12 مليار دولار، يحتل المرتبة الخامسة إفريقيًا، مدعومًا بنمو حقيقي يتراوح بين 4% و4.5%. غير أن أهمية التجربة المغربية لا تكمن في الأرقام المجردة، بل في طبيعة النمو ذاته، القائم على تنويع القاعدة الإنتاجية. فقد أصبح قطاع السيارات يمثل ربع الصادرات، إلى جانب صعود صناعة الطيران وتحويل الفوسفاط عبر مجموعة OCP، ما يعكس انتقالًا تدريجيًا من اقتصاد قائم على المواد الخام إلى اقتصاد صناعي موجه للتصدير. كما أن الاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة والبنيات التحتية الكبرى، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، يعزز تموقع المغرب كحلقة وصل استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا، ويمنحه قدرة تنافسية في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة المستدامة.
في المقابل، تستعيد جنوب إفريقيا صدارة الاقتصادات الإفريقية بناتج يفوق 443 مليار دولار، مستفيدة من اقتصاد متنوع ونظام مالي متقدم. إلا أن هذا التفوق الكمي يصطدم بقيود هيكلية عميقة، أبرزها البطالة المرتفعة والأزمة الطاقية المزمنة. وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول قدرة الاقتصاد الجنوب إفريقي على الحفاظ على موقعه القيادي في غياب إصلاحات اجتماعية وطاقية جذرية، رغم قوة مؤسساته المالية.
أما مصر، ثاني أكبر اقتصاد في القارة، فتمضي في مسار مختلف يقوم على الاستثمار المكثف كرافعة للنمو. فمشاريع البنية التحتية العملاقة، من العاصمة الإدارية الجديدة إلى توسعة قناة السويس، إلى جانب تطوير قطاع الطاقة، تعكس رؤية تقوم على بناء قدرة إنتاجية طويلة الأمد، حتى وإن كان ذلك على حساب ارتفاع المديونية على المدى القصير. ويظل الرهان المصري الأساسي هو تحويل هذا الزخم الاستثماري إلى نمو شامل قادر على امتصاص الضغوط الديمغرافية والاجتماعية.
نيجيريا.. مرحلة انتقالية
نيجيريا، من جهتها، تعيش مرحلة انتقالية دقيقة. فبصفتها ثالث أكبر اقتصاد إفريقي، تواجه تحدي إعادة التوازن بعد سنوات من الاختلالات المالية والنقدية. وتُعد إصلاحات توحيد سعر الصرف، ورفع دعم الوقود، ومحاولات كبح التضخم، مؤشرات على تحوّل عميق في النموذج الاقتصادي، رغم كلفته الاجتماعية والسياسية المرتفعة. نجاح هذا المسار سيحدد ما إذا كانت نيجيريا قادرة على استعادة دورها كقاطرة اقتصادية لغرب إفريقيا، أو ستظل رهينة دورة عدم الاستقرار.
في شرق القارة، تتبلور ملامح نموذج نمو مختلف تقوده كينيا وإثيوبيا. فالدينامية الديمغرافية، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي والخدمات المالية، كما هو الحال مع تجربة الدفع عبر الهاتف في كينيا، إلى جانب التصنيع والزراعة في إثيوبيا، تمنح هذه المنطقة زخمًا تصاعديًا. غير أن استدامة هذا النمو تبقى رهينة بقدرة هذه الدول على إدارة التحولات الاجتماعية وتوفير مناخ مؤسساتي جاذب للاستثمار.
أما غرب إفريقيا، فتقدم كوت ديفوار مثالًا لافتًا على جدوى التنويع الاقتصادي المنضبط. فالانتقال من تصدير المواد الخام إلى تطوير سلاسل القيمة المحلية، خصوصًا في قطاع الكاكاو والصناعات الغذائية، يعكس تحولًا نوعيًا في الرؤية الاقتصادية، مقارنة بنماذج لا تزال تعتمد بشكل مفرط على الموارد الأولية، كما هو الحال في بعض الاقتصادات النفطية.
وتقود هذه القراءة إلى خلاصة استراتيجية واضحة: لم يعد النمو الاقتصادي في إفريقيا مرتبطًا بوفرة الموارد الطبيعية بقدر ما أصبح مشروطًا بجودة الحكامة، واستقرار المؤسسات، ووضوح السياسات العمومية، والاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري. ورغم توقعات نمو قاري في حدود 4.6%، فإن مخاطر المديونية والتغير المناخي وعدم الاستقرار الجيوسياسي تظل عوامل ضاغطة قد تعيد رسم التوقعات.
وعلى العموم فإفريقيا 2026 ليست قارة الفرص المتجانسة، ولا قارة الأزمات المزمنة، بل فضاء تتنافس فيه نماذج اقتصادية مختلفة. والدول التي تنجح في تحويل الرؤية إلى سياسات متماسكة، وفي الجمع بين النمو والاستقرار، هي وحدها القادرة على ترسيخ موقعها في الخريطة الاقتصادية الجديدة للقارة.






