التنمية المستدامةرئيسية

من المناجم إلى بطاريات الليثيوم: كيف يؤسس المغرب لصناعة استراتيجية في قلب التحول الطاقي

كشفت دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة متخصصة في الطاقات المتجددة والمواد المتقدمة إلى أن المغرب يتوفر على مؤهلات تقنية وصناعية تخوله تحويل موارده المعدنية المهمة إلى كبريتات معدنية عالية النقاء تستجيب بالكامل للمعايير الدولية المعتمدة في صناعة كاثودات النيكل-المنغنيز-الكوبالت، وهي من أكثر الكاثودات استعمالاً في بطاريات الليثيوم-أيون الموجهة للسيارات الكهربائية.

وأبرزت الدراسة الصادرة عن Next Energy أن المملكة تتوفر على احتياطي معتبر من المنغنيز يناهز 1.5 مليون طن، في حين تقدر احتياطيات خامات النيكل والكوبالت مجتمعة بعشرات الملايين من الأطنان، وفق معطيات جيولوجية حديثة وتحليلات ميدانية للمناطق المنجمية الرئيسية. ورغم هذا الغنى المعدني، لا يزال جزء كبير من هذه الموارد يصدر في شكل خام أو شبه مصنع، وهو ما يقلص القيمة المضافة المحلية ويبرز في المقابل فرصة استراتيجية للانتقال نحو التصنيع المعدني المتقدم وربط التعدين بسلاسل صناعية ذات مردودية أعلى.

وسلطت الدراسة الضوء على إقليم بوعازر في الأطلس الصغير جنوب ورزازات باعتباره أحد أهم مواقع استخراج الكوبالت في المغرب، مع احتياطيات معتبرة وإنتاج سنوي مستقر، إضافة إلى وجود تركيزات مهمة من النيكل ضمن نفس التراكيب الجيولوجية، حيث يتم الاستغلال وفق تقنيات حديثة تراعي المعايير البيئية المعمول بها. كما أشارت إلى حوض إيميني، الذي يعرف استغلال مناجم المنغنيز منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي، وهو ما يعكس تراكم خبرة تعدين تمتد لأكثر من قرن، ويشكل قاعدة صلبة لتطوير سلاسل إنتاج متكاملة تجمع بين الاستخراج والتحويل الصناعي.

وأكد الباحثون أن المغرب قادر تقنياً على إنتاج كبريتات المنغنيز والنيكل والكوبالت محلياً عبر اعتماد عمليات هيدروميتالورجية متقدمة تشمل الإذابة الاختزالية والتنقية والتبلور بالنسبة للمنغنيز، إلى جانب التحميص والاستخلاص بالمذيبات بالنسبة للنيكل والكوبالت، مع نتائج تلبي متطلبات صناعة البطاريات من حيث النقاء والجودة، وبأثر بيئي محدود مقارنة بالمسارات التقليدية.

ووفق تقديرات الدراسة، يمكن أن تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية مئات الأطنان من كبريتات النيكل وآلاف الأطنان من كبريتات الكوبالت، إضافة إلى عشرات الآلاف من الأطنان من كبريتات المنغنيز، وهي كميات قادرة على تزويد صناعة بطاريات تكفي مئات الآلاف من السيارات الكهربائية سنوياً اعتماداً على متوسط مكونات الكاثودات لكل مركبة.

كما أبرزت الدراسة عناصر الجاذبية الاستراتيجية للمغرب، وفي مقدمتها موقعه الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية، واستقراره المؤسساتي، وتطور بنيته التحتية الصناعية واللوجستية، خاصة موانئه الكبرى وشبكة الطرق السيارة، ما يعزز اندماجه في سلاسل التوريد العالمية المرتبطة بالانتقال الطاقي.

وشدد الباحثون في الوقت نفسه على أهمية اعتماد نموذج إنتاج مستدام يقوم على إدماج الطاقات المتجددة في الأنشطة المنجمية والصناعية، مستحضرين تجارب قائمة داخل المملكة تعتمد بشكل متزايد على الطاقة الشمسية والريحية، إضافة إلى مشاريع صناعية جديدة لإنتاج كبريتات الكوبالت وشراكات دولية واتفاقيات توريد مع فاعلين في صناعة السيارات، ما يعزز موقع المغرب كحلقة واعدة في منظومة البطاريات العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى