يستعد قطاع مراكز النداء والأوفشورينغ بالمغرب لدخول مرحلة توصف بأنها من بين الأكثر حساسية منذ بداية الطفرة التي عرفها القطاع مطلع الألفية، وذلك بعد مصادقة فرنسا على قانون جديد يشدد بشكل غير مسبوق قواعد التسويق الهاتفي، ويقلب عمليا النموذج التقليدي الذي قامت عليه آلاف الوظائف وعشرات الاستثمارات داخل المملكة خلال السنوات الماضية.
القانون الفرنسي الجديد، المرتقب دخوله حيز التنفيذ ابتداء من غشت المقبل، لا يتعلق فقط بإجراءات تنظيمية تقنية تخص السوق الفرنسية، بل يلامس بشكل مباشر أحد أهم الأنشطة التي بنت عليها مراكز النداء المغربية توسعها لعقود، والمتمثل في “الديمارشاج” أو الاتصال التجاري الهاتفي المباشر، خاصة لفائدة شركات فرنسية تنشط في التأمين والطاقة والخدمات المنزلية والعقارات والتكوين والاشتراكات المختلفة.
وبموجب النص الجديد، لن يسمح للشركات بإجراء اتصالات تجارية هاتفية مع المستهلكين إلا إذا منحوا مسبقا موافقة صريحة وواضحة وقابلة للإثبات، أو إذا كان الاتصال يتم في إطار علاقة تعاقدية قائمة بين الطرفين. وهو ما يعني عمليا نهاية نموذج “الاتصال البارد” أو “cold calling”، الذي يقوم على الاتصال العشوائي بأشخاص لم يسبق لهم التعبير عن رغبتهم في تلقي عروض تجارية.
هذا التحول التشريعي قد يبدو في ظاهره شأنا فرنسيا داخليا، لكنه بالنسبة للمغرب يحمل أبعادا اقتصادية واجتماعية أوسع، بالنظر إلى أن فرنسا تظل السوق الرئيسية لقطاع الأوفشورينغ المغربي، وأن جزءا مهما من مراكز النداء داخل المملكة يشتغل أساسا لفائدة شركات ومتعاقدين فرنسيين.
وعلى مدى أكثر من عشرين سنة، تحول المغرب إلى واحدة من أبرز منصات ترحيل الخدمات الناطقة بالفرنسية في المنطقة، مستفيدا من القرب الجغرافي من أوروبا، وتكاليف التشغيل التنافسية، والوفرة النسبية لليد العاملة الناطقة بالفرنسية، إلى جانب الدعم الحكومي والحوافز الضريبية والبنيات التحتية التي تم تطويرها في مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة وفاس ومراكش.
لكن خلف هذا النجاح، ظل جزء مهم من النشاط يعتمد على نموذج اقتصادي شديد الارتباط بالتسويق الهاتفي والتنقيب التجاري المباشر، وهو النموذج الذي يبدو اليوم في قلب العاصفة.
وتكمن حساسية الوضع في أن القانون الفرنسي الجديد لا يضرب فقط طريقة عمل معينة، بل يمس جوهر عدد من الأنشطة التي تشغل آلاف العاملين داخل مراكز النداء المغربية، خصوصا الشركات المتخصصة في “الديمارشاج” التجاري، وأخذ المواعيد، والتنقيب عن الزبناء، وبيع التأمينات والعروض والخدمات عبر الهاتف.
ومن المرجح أن تكون الشركات الصغيرة والمتوسطة الأكثر عرضة للتأثر، خاصة تلك التي تعتمد بشكل شبه كلي على حملات الاتصال التجاري المباشر لفائدة السوق الفرنسية، دون تنويع حقيقي للخدمات أو الأسواق. فهذه المقاولات قد تجد نفسها أمام تراجع كبير في الطلب أو أمام ضرورة إعادة هيكلة نموذجها الاقتصادي بالكامل في ظرف زمني قصير نسبيا.
أما الشركات الكبرى والمجموعات الدولية الحاضرة بالمغرب، فمن المتوقع أن تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمة، بحكم توفرها على أنشطة متعددة تشمل خدمة الزبناء والدعم التقني وخدمات ما بعد البيع وإدارة العلاقات مع العملاء والخدمات الرقمية، وهي المجالات التي ستظل قانونية ومسموحا بها في ظل القانون الجديد.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن التأثير سيكون محدودا. فحتى داخل الشركات الكبرى، قد تعرف الأنشطة المرتبطة بالتنقيب التجاري والتسويق الهاتفي التقليدي تراجعا تدريجيا، ما قد ينعكس على وتيرة التوظيف وعلى طبيعة الوظائف المطلوبة داخل القطاع.
ويخشى عدد من المهنيين أن يقود هذا التحول إلى مرحلة إعادة هيكلة صامتة داخل القطاع، قد تظهر في البداية عبر تجميد التوظيف أو تقليص بعض الحملات التجارية، قبل أن تمتد إلى إعادة توزيع الموارد البشرية أو إغلاق بعض الوحدات الأقل ربحية.
كما قد يفرض الوضع الجديد ضغطا إضافيا على اليد العاملة، خصوصا أن جزءا مهما من الموظفين الحاليين تم تكوينهم أساسا على مهارات البيع الهاتفي والإقناع والتنقيب التجاري، بينما المرحلة المقبلة قد تتطلب مهارات مختلفة مرتبطة بخدمة الزبناء متعددة القنوات، والتسويق الرقمي، وتحليل البيانات، وإدارة تجربة العملاء، والتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويطرح هذا التحول تحديا حقيقيا أمام منظومة التكوين المهني والتأهيل داخل القطاع، لأن الانتقال من نموذج قائم على “الديمارشاج” إلى نموذج قائم على الخدمات الرقمية ذات القيمة المضافة لا يتم فقط عبر تغيير القوانين أو العقود، بل يحتاج إلى إعادة بناء جزء من المهارات المطلوبة في السوق.
وفي خضم هذه التحولات، تبدو فدرالية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وترحيل الخدمات، المعروفة اختصارا باسم APEBI، أمام اختبار حقيقي. فالفيدرالية التي تمثل جزءا مهما من فاعلي القطاع قد تجد نفسها مطالبة بلعب دور أكبر خلال المرحلة المقبلة، سواء على مستوى الترافع المؤسساتي أو مواكبة التحولات المهنية التي يعرفها الأوفشورينغ المغربي.
ومن المحتمل أن تدفع الفيدرالية نحو فتح نقاش مع الشركاء الفرنسيين والسلطات المعنية لفهم تفاصيل تطبيق القانون الجديد وفتراته الانتقالية، خصوصا أن جزءا من الفاعلين المغاربة يعتبرون أن الانتقال نحو نظام “الموافقة المسبقة” قد يخلق حالة من الارتباك داخل السوق خلال الأشهر الأولى من التطبيق.
لكن في العمق، يبدو أن الرهان الحقيقي لن يكون فقط قانونيا، بل استراتيجيا بالأساس. فالقانون الفرنسي الجديد يعيد طرح سؤال قديم داخل القطاع المغربي: هل يمكن لمراكز النداء المغربية الاستمرار في الاعتماد على نموذج منخفض القيمة المضافة قائم أساسا على اليد العاملة الرخيصة والتسويق الهاتفي التقليدي؟
خلال السنوات الماضية، حاول المغرب بالفعل تقديم نفسه كمنصة متقدمة لترحيل الخدمات الرقمية، وليس فقط كمركز للنداء الهاتفي. وتم الترويج بقوة لأنشطة الـBPO، والخدمات الرقمية، والدعم التقني، وإدارة البيانات، وخدمات الزبناء متعددة القنوات، وحتى بعض الأنشطة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
غير أن الواقع أظهر أن جزءا مهما من السوق ظل مرتبطا بالأنشطة التقليدية الأكثر ربحية على المدى القصير، خصوصا “الديمارشاج” التجاري الموجه للسوق الفرنسية.
واليوم، قد يفرض القانون الفرنسي الجديد تسريع هذا التحول بشكل أكبر مما كان متوقعا. فعدد من المستثمرين قد يبدأون في إعادة تقييم جدوى الأنشطة التقليدية، مقابل توجيه الاستثمارات نحو خدمات أكثر استقرارا وأقل عرضة للتشريعات التقييدية.
كما قد يدفع هذا التطور بعض الشركات إلى تسريع اعتماد الأتمتة والذكاء الاصطناعي داخل مراكز النداء، سواء عبر روبوتات المحادثة أو أنظمة الرد الآلي أو أدوات تحليل البيانات وتجربة الزبون. وهو ما قد يخلق بدوره ضغوطا إضافية على بعض الوظائف التقليدية داخل القطاع.
وفي المقابل، يرى عدد من الفاعلين أن المغرب قد يحول هذا التحدي إلى فرصة لإعادة تموقع القطاع بشكل أكثر تطورا. فالمملكة تتوفر على عناصر تنافسية مهمة تشمل القرب من أوروبا، والبنيات التحتية الرقمية، والاستقرار النسبي، والخبرة الطويلة في خدمات التعهيد، إضافة إلى توفر كفاءات لغوية وتقنية قادرة على مواكبة التحولات الجديدة.
كما أن تنويع الأسواق قد يصبح أولوية أكبر خلال المرحلة المقبلة. فاعتماد القطاع المغربي بشكل شبه مفرط على السوق الفرنسية ظل دائما نقطة ضعف هيكلية، والقانون الجديد قد يدفع عددا من الفاعلين إلى البحث عن فرص أكبر في الأسواق الناطقة بالإنجليزية أو داخل إفريقيا أو حتى في خدمات التعهيد الموجهة للشركات المغربية نفسها.
وفي جميع الحالات، يبدو أن قطاع الأوفشورينغ المغربي يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن ينجح في تسريع انتقاله نحو خدمات أكثر تعقيدا وقيمة مضافة، وإما أن يجد جزء من نموذجه التقليدي نفسه تحت ضغط متزايد خلال السنوات المقبلة.
وبالنسبة لعدد من المتابعين، فإن ما يحدث اليوم في فرنسا قد لا يكون سوى بداية لتحولات أوسع داخل أوروبا والعالم، في ظل تصاعد القيود المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، والخصوصية الرقمية، وحقوق المستهلكين، إلى جانب الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي والأتمتة.
وإذا كان قطاع مراكز النداء قد شكل خلال العقدين الماضيين إحدى قصص النجاح البارزة في الاقتصاد المغربي من حيث خلق فرص الشغل وجذب الاستثمارات، فإن المرحلة المقبلة قد تكون الأصعب، لأنها لن تتعلق فقط بالنمو، بل بإعادة تعريف النموذج نفسه.







