
جاء الدور على الجانب الفرنسي BNP Paribas ليقدم روايته بخصوص تخليه عن فرعها البنكي المغربي، البنك المغربي للتجارة والصناعة (BMCI)، حيث أشارت المجموعة في بلاغ لها إلى أنها دخلت في مفاوضات حصرية مع مجموعة هولماركوم المغربية من أجل بيع حصتها البالغة 67% في رأسمال البنك.
هذا الإعلان، الصادر من مقر المجموعة بباريس، لا يُقدّم الصفقة كخروج ظرفي من المغرب بقدر ما يدرجها في إطار استراتيجية أوسع لإعادة هيكلة المحفظة الدولية للمجموعة الفرنسية وتعزيز متانة رأسمالها، مع الحفاظ على جزء من الحضور المالي في المملكة عبر أنشطة أخرى موجهة أساساً للشركات الكبرى والخدمات الاستثمارية.
في قراءة معمقة للرواية الفرنسية، يتبين أن BNP Paribas تحرص على إبراز الطابع “العادي” و”الاستراتيجي” لهذه العملية، باعتبارها امتداداً لمنطق إدارة نشِطة للأصول بدلاً من كونها حُكماً سلبياً على السوق المغربية أو أداء BMCI.
ففي البلاغات الموجهة للمستثمرين والصحافة الاقتصادية الفرنسية، تؤكد المجموعة أن البنك المغربي حقق في سنة 2024 ناتجاً بنكياً صافياً يناهز 3,79 مليار درهم، أي حوالي 352 مليون يورو، مع نتيجة صافية في حدود 326 مليون درهم، نحو 30 مليون يورو، وهي أرقام توصف بأنها مستقرة ومربحة لكنها تبقى محدودة الوزن ضمن آلة عملاقة تحقق على مستوى المجموعة إيرادات تتجاوز 50 مليار يورو سنوياً.
بهذا المعنى، لا يظهر BMCI في الخطاب الفرنسي كمشكل أو عبء، بل كأصل “غير أساسي” لم يعد مُبرَّراً تعبئة جزء من الرأسمال التنظيمي لصالحه في مرحلة تسعى فيها المجموعة إلى رفع العائد على رأس المال الملموس (RoTE) إلى حوالي 12% في أفق 2026 وتعزيز نسبة CET1 فوق 12,9%.
الجانب الأكثر دلالة في رواية BNP Paribas هو إبرازها للأثر الإيجابي المنتظر لهذه الصفقة على مؤشرات الملاءة، إذ تشير التقديرات الداخلية التي تم تعميمها في باريس إلى أن التخلي عن حصة الأغلبية في BMCI من شأنه أن يضيف حوالي 15 نقطة أساس إلى نسبة CET1 عند تاريخ إتمام العملية المرتقبة خلال 2026، في حال تحققت كل الشروط التنظيمية والتعاقدية.
في منطق البنوك ذات الحجم العالمي، يزيد هذا الهامش من المرونة في إعادة توجيه الرأسمال نحو أنشطة يعتبرها المقر المركزي أكثر قدرة على خلق القيمة، مثل الخدمات البنكية للشركات والمؤسسات (CIB)، وإدارة الأصول والتأمين (IPS)، والتمويل الاستهلاكي والخدمات المتخصصة داخل أوروبا.
وبذلك تُقدَّم صفقة المغرب داخل سردية فرنسية متكاملة تشمل أيضاً عملية بيع جزء من الأسهم في الفرع البولندي BNP Paribas Bank Polska بقيمة 1,1 مليار زلوتي (حوالي 264 مليون يورو) مع الحفاظ على حصة 75% في رأسماله، بهدف زيادة سيولة السهم من دون التفريط في التحكم الاستراتيجي.
الصحافة الاقتصادية الفرنسية، من قبيل L’Agefi وBoursorama ومنصات متخصصة في أخبار البورصة، قرأت هذه الخطوة ضمن سلسلة من التحركات التي قام بها BNP Paribas خلال 2025، من أبرزها مشروع الاندماج أو التقارب العميق مع Axa IM في إدارة الأصول، والرفع من المساهمة في رأسمال شركة التأمين البلجيكية Ageas، والاستحواذ على أنشطة الإيداع والحفظ التابعة لـHSBC في ألمانيا، إضافة إلى بيع Cetelem Argentina لمجموعة Revolut.
في هذه السلسلة، يشكل الملف المغربي حلقة جديدة في “تنظيف” المحفظة من الأصول التي لا تتماشى مع الأولويات الجغرافية والقطاعية الجديدة للمجموعة: أي تركيز أكبر على أوروبا الغربية والأسواق ذات الكثافة الرأسمالية العالية، وتراجع تدريجي عن الملكية المباشرة لفروع التجزئة في بعض بلدان أفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع الاحتفاظ، حيث أمكن، بعلاقات تجارية وشراكات تمويل.
على المستوى المغاربي والأإفريقي، يعترف عدد من المحللين الفرنسيين بأن انسحاب BNP Paribas من BMCI لا يمكن فصله عن توجه أوسع لعدد من البنوك الأوروبية الكبرى، مثل Société Générale وCrédit Agricole، نحو تقليص التعرض المباشر لأسواق الجنوب، إما بسبب اشتداد القيود التنظيمية، أو ارتفاع كلفة رأس المال، أو تغير خريطة المخاطر الجيوسياسية.
غير أن المجموعة الفرنسية تحرص في خطابها على الإشارة إلى أن المغرب ليس “خارج الرادار”، مستدلة في ذلك بتاريخ شراكتها الطويلة مع هولماركوم، الذي سبق أن استحوذ على “مصرف المغرب”، وبإمكانية استمرار التعاون في مجالات التمويل التجاري وتمويل الشركات العابرة للحدود حتى بعد خروجها من رأسمال BMCI.
بهذا الطرح، تسعى BNP Paribas إلى طمأنة المستثمرين بأنها لا “تغلق الباب” أمام سوق يظل واعداً من زاوية التدفقات التجارية والاستثمارية بين أوروبا وأفريقيا، بل تعيد فقط تعريف شكل حضورها من نموذج “بنك تجزئة مملوك بالأغلبية” إلى نموذج “شريك مالي دولي” يشتغل من خلال فاعلين محليين.
البُعد المتعلق بالبورصة حاضر بقوة في التغطية الفرنسية، حيث ربط أكثر من تعليق صحفي بين الإعلان عن المفاوضات الخاصة ببيع BMCI وبين المسار التصاعدي لسهم BNP Paribas الذي ربح أكثر من 30% منذ بداية 2025 في ظل مناخ يتسم بتراجع المخاوف حول القطاع البنكي الأوروبي مقارنة بسنوات ما بعد الجائحة.
وعموما ينظر المستثمرون في باريس بإيجابية إلى كل عملية تحرر رأس مال وتُبسّط الهيكل الجغرافي للمجموعة، خاصة في ظل نقاشات أوروبية متزايدة حول متطلبات رأس المال، وإصلاح نسب المخاطر، وطبيعة الديون الداعمة (MREL وTLAC)، مما يدفع الإدارات إلى إعطاء الأولوية لأسواق قريبة وشفافة تنظيمياً.
في هذا الإطار، تشكل صفقة BMCI رسالة مزدوجة: من جهة، تأكيد قدرة الإدارة على اتخاذ قرارات “غير عاطفية” بشأن أصول تاريخية؛ ومن جهة أخرى، إشارة إلى أن سقف الطموح في أفريقيا سيُترجم في المرحلة المقبلة أكثر عبر شراكات وانتداب موارد رأسمالية أقل ثقلاً من نماذج البنوك التابعة بالكامل.
في المحصلة، رواية BNP Paribas الفرنسية بخصوص التخلي عن BMCI لا تُحمّل المغرب أو أداء البنك المحلي مسؤولية القرار، بل تضعه في خانة إعادة ترتيب كبيرة لأوراق المجموعة عالمياً، حيث يجري ترسيم حدود جديدة لما يُعتبر “نواة صلبة” داخل نموذج أعمالها.
من منظور باريس، هو خروج محسوب من ملكية مباشرة لفَرع بنكي تجاري في سوق ناشئة، مقابل تثبيت موقع أقوى في أوروبا والأسواق المتقدمة، مع الحفاظ على جسور مالية وتجارية مع المغرب عبر فاعلين محليين بحجم هولماركوم، وبذلك يتحول الملف من مجرد بيع فرع إلى فصل جديد في كيفية تموضع البنوك الأوروبية الكبرى بين منطق العولمة الشاملة ومنطق الانتقاء الاستراتيجي لمناطق النفوذ.






