
في نونبر الماضي، تباطأت وتيرة جمع التمويلات الموجهة للشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل حاد، حيث لم تتجاوز القيمة الإجمالية حوالي 227,8 مليون دولار مقابل نحو 784,9 مليون دولار خلال شهر أكتوبر السابق. هذا التراجع القوي يعكس دخول السوق في مرحلة إعادة تموقع وتوطيد بعد أشهر من الزخم الاستثنائي وارتفاع التقييمات.
المغرب: حضور متواصل رغم الانكماش
في نونبر 2025 جمعت الشركات الناشئة المغربية حوالي 1,1 مليون دولار عبر صفقتين، لتستحوذ على جزء صغير من إجمالي 227,8 مليون دولار ضُخت في المنطقة خلال الشهر نفسه.
هذا الحجم يبدو متواضعاً، لكنه يكتسب أهميته من كون الاستثمار تركز في خمسة أسواق فقط (السعودية، الإمارات، مصر، المغرب، عُمان)، ما يعني أن المغرب ما زال ضمن دائرة الاهتمام الاستثماري الإقليمي رغم الانكماش الواضح.
وفي تقرير لمنصة «ومضة» يتضح أن معظم رؤوس الأموال ذهبت إلى صفقات دين أو جولات مبكرة في أسواق أكبر، بينما ظل المغرب في خانة صفقات أصغر حجماً وأكثر انتقائية، وهو ما يعكس مرحلة «تثبيت» للمنظومة أكثر من كونه تراجعاً بنيوياً.
هذا الوضع ينسجم مع الاتجاه العام خلال 2025 حيث احتل المغرب مراراً المركز الثالث أو الرابع من حيث عدد الصفقات أو قيمتها، مدعوماً بإصلاحات رقمية وبرامج دعم حكومية ومبادرات حاضنات محلية.
السعودية بفارق كبير ثم الإمارات
تصدرت السعودية تمويل نونبر 2025 بفارق كبير، إذ جذبت 176,3 مليون دولار عبر 14 صفقة، أي أكثر من ثلاثة أرباع رأس المال المُعلن في المنطقة خلال ذلك الشهر.
الجزء الأكبر من هذا الرقم جاء من صفقة دين واحدة ضخمة لشركة «إراد» ما يعكس انتقال السوق السعودي نحو أدوات تمويلية متنوعة وتزايد دور التمويل المدعوم بسيولة سيادية أو مصرفية.الإمارات حلت في المركز الثاني بنحو 49 مليون دولار من خلال 14 صفقة أيضاً، لكنها اعتمدت بشكل أكبر على صفقات رأسمال مبكر في قطاعات التكنولوجيا المالية، التجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية.
هذا التوزيع يدل على أن الإمارات تواصل لعب دور منصة إقليمية لجولات النمو المبكرة، بينما تتحول السعودية إلى مركز رئيسي للصفقات الكبيرة والدين المهيكل.بقية أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيامصر عرفت شهراً «بارداً» نسبياً، إذ لم تتجاوز قيمة الصفقات 1,12 مليون دولار عبر أربع جولات، بعد شهر أكتوبر قوي تجاوزت فيه تمويلات الشركات الناشئة المصرية 33 مليون دولار.
هذا التراجع يعكس حساسية المستثمرين تجاه المخاطر الكلية في السوق المصري، مع الاستمرار في دعم شركات ذات نماذج أعمال مثبتة أكثر من المغامرة في جولات كبيرة.سلطنة عُمان ظهرت في تقرير نوفمبر بصفقة واحدة لم يُكشف عن قيمتها، بينما غابت باقي أسواق المنطقة تقريباً عن خريطة التمويل المعلن، ما يعزز فكرة تركز رأس المال في عدد محدود من المنظومات الأكثر نضجاً تنظيمياً وتمويلياً.
هذا التركز الجغرافي يضع ضغطاً إضافياً على الدول الراغبة في جذب الاستثمار المخاطر لتسريع إصلاحات بيئة الأعمال وتطوير أدوات تمويل محلية.اتجاهات هيكلية في تمويل نوفمبرعلى مستوى القطاعات، عادت التكنولوجيا المالية إلى صدارة المشهد بتمويل يقارب 142,9 مليون دولار عبر تسع صفقات، أغلبها مدفوع بنفس صفقة الدين الكبرى في السعودية، تلتها التجارة الإلكترونية بحوالي 24,5 مليون دولار، ثم العقار التكنولوجي بنحو 18,9 مليون دولار.
هذه التركيبة تؤكد استمرار تفضيل المستثمرين للنماذج ذات التدفقات النقدية الواضحة والمرتبطة بالاستهلاك والخدمات المالية على حساب رهانات بعيدة المدى.نوعياً، هيمنت الديون والمرحلة المبكرة على استثمار نوفمبر؛ إذ لم تُسجَّل أي جولة متقدمة (Series B فما فوق)، بينما استحوذت الشركات ذات النموذج B2B على معظم رأس المال بنحو 197,1 مليون دولار مقابل 22,2 مليون فقط للشركات B2C.
يعكس هذا الميل حذراً متزايداً لدى الصناديق التي فضلت إعادة موازنة محافظها والاحتفاظ بـ«ذخيرة» استثمارية لعام 2026 بدل الدخول في جولات تقييم مرتفعة في بيئة عالمية مشددة نقدياً.
مكانة المغرب في خريطة 2025
يظهر أن المغرب نجح في الحفاظ على موقعه كإحدى المنظومات الصاعدة في المنطقة رغم محدودية الأحجام؛ ففي أشهر سابقة مثل أبريل وغشت، احتل المغرب المركز الثالث أو الرابع إقليمياً من حيث التمويل بصفقات تعدت أحياناً 4 ملايين دولار في شهر واحد.
كما تشير تحليلات أخرى إلى أن المغرب تقدم إلى المراكز الأولى من حيث عدد الصفقات في بعض الفترات، في وقت كانت أسواق مثل مصر والعراق تشهد تقلبات حادة في التدفقات.
هذا المسار يؤشر إلى أن النمو في المغرب يأخذ شكل «تراكم تدريجي» بدل القفزات الضخمة، مع تركيز على شركات في مجالات التكنولوجيا المالية، الخدمات الرقمية، والبرمجيات الموجهة للأعمال.
ومع استمرار برامج التحول الرقمي الحكومي وتزايد اهتمام صناديق إقليمية بالمغرب، يمكن اعتبار نتائج نونبر 2025 حلقة ضمن مسار أوسع لتثبيت المملكة داخل خريطة رأس المال المخاطر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حتى وإن ظلت الأرقام الحالية في خانة الملايين لا عشرات أو مئات الملايين كما هو الحال في السعودية والإمارات.






