مع المستهلك

عندما يصبح الذهب أغلى محليا: لماذا يدفع المغاربة ثمن الفارق؟

يشهد سوق الذهب في المغرب خلال الفترة الراهنة موجة ارتفاع غير مسبوقة في الأسعار، تتقاطع فيها التحولات العالمية مع خصوصيات محلية أفرزت فارقاً لافتاً بين الأسعار المعتمدة داخل السوق الوطنية ونظيراتها في البورصات الدولية. هذا الوضع يطرح أسئلة جوهرية حول آليات التسعير المعمول بها، وحدود تأثر السوق المغربي بالمرجعيات العالمية، وانعكاسات ذلك على قطاع الصياغة والطلب الداخلي.

تعتمد أسعار الذهب في المغرب، من حيث المبدأ، على السعر الفوري العالمي للأونصة بعد تحويله إلى الدرهم، غير أن هذا الأساس يُدعَّم بهوامش إضافية تتراوح بين 10 و20 في المائة. ففي الوقت الذي يناهز فيه سعر الأونصة في الأسواق العالمية حوالي 4.841 دولاراً، أي ما يقارب 48 ألف درهم بسعر صرف في حدود 9.9 درهم للدولار، تُتداول الأونصة من عيار 24 في السوق المغربية ضمن نطاق يتراوح بين 44.500 و44.900 درهم، مع تقلبات يومية تعكس الارتفاع السنوي الحاد الذي بلغ نحو 74 في المائة.

وعلى مستوى الغرام، يتراوح سعر عيار 24 بين 1.428 و1.433 درهماً، في حين يُسجَّل عيار 22، الأكثر استعمالاً في صناعة الحلي، في حدود 1.309 دراهم. هذه المستويات تبقى أعلى من السعر العالمي المحوَّل، الذي يقدَّر ما بين 1.300 و1.400 درهم للغرام قبل احتساب الرسوم والتكاليف المحلية.

ويرجع هذا الفارق السعري، في جزء أساسي منه، إلى الرسوم والضرائب المفروضة على استيراد الذهب والمجوهرات، ولا سيما الضريبة على القيمة المضافة المقدَّرة بنحو 7.7 في المائة، إضافة إلى تكاليف النقل والتأمين من مراكز التزويد العالمية، مثل لندن ودبي. كما يساهم تركّز تزويد المادة الأولية لدى عدد محدود من التجار الكبار، خاصة في الدار البيضاء وفاس، في رفع أسعار الجملة بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة فوق السعر العالمي، في سياق تُوصَف فيه السوق بوجود ممارسات مضارباتية.

ويُضاف إلى ذلك اعتماد جزئي على إعادة تدوير الذهب المستعمل، بنسبة تقدَّر بين 10 و15 في المائة، إلى جانب تشديد المراقبة الجمركية والضريبية على الواردات غير النظامية، ما أدى إلى تقليص العرض وتعزيز الهوامش الربحية داخل السوق المحلية مقارنة بالأسواق المفتوحة.

هذا الوضع انعكس بشكل مباشر على قطاع الصياغة التقليدية، حيث سُجِّل تراجع في الطلب يتراوح بين 30 و50 في المائة خلال فترات الارتفاع الحاد، مع لجوء شريحة واسعة من المستهلكين إلى تأجيل اقتناء المجوهرات أو تفضيل السبائك على الحلي المصنعة. كما تواجه ورش الصياغة صعوبات متزايدة في الحفاظ على تنافسيتها، في ظل ارتفاع كلفة المواد الأولية وتراجع الإقبال، وهو ما دفع الفيدرالية الوطنية للصياغين، في فترات سابقة، إلى الدعوة لمقاطعة الشراء كوسيلة للضغط على المضاربين.

ويُعد هذا القطاع من الأنشطة التقليدية التي تشغّل آلاف الحرفيين، خصوصاً في مدن مثل فاس والرباط، ويساهم بما يناهز 2 إلى 3 في المائة من الاقتصاد التقليدي، غير أنه بات يعاني من تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى وتقلص هامش الربح.

على الصعيد الدولي، غذّت التوترات الجيوسياسية وارتفاع معدلات التضخم موجة صعود قوية للذهب، دفعت سعر الأونصة إلى حدود 5.017 دولارات في 4 فبراير 2026، مع توقعات باستمرار المنحى التصاعدي بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة خلال السنة. وفي المغرب، تتبع الأسعار المحلية هذا الاتجاه العالمي بنسبة تُقدَّر بين 80 و90 في المائة، غير أن الفوارق تتسع خلال فترات التقلب، كما حدث في يناير 2026، حين لم يواكب السعر المحلي بشكل كامل التراجع الظرفي في الأسواق الدولية.

وتُظهر تطورات الأسابيع الأخيرة هذا المنحى بوضوح، حيث ارتفع سعر غرام الذهب من عيار 24 من 1.372 درهماً في 2 فبراير إلى 1.464 درهماً في 4 فبراير، تزامناً مع القفزات المسجَّلة على المستوى العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى