
يواجه بنك المغرب صعوبات واضحة في تحريك عجلة الاقتصاد الحقيقي على الرغم من الإجراءات المتخذة لتخفيض سعر الفائدة الرئيسي، وفق دراسة حديثة للمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات.
الدراسة أوضحت أن السبب لا يكمن في خلل تقني، بل في تراكمات هيكلية عميقة في النظام البنكي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمملكة.
وأشارت الدراسة، التي أعدها الباحثان يونس ابن احمادوش وعزيز بنصباحو، إلى أن القطاع البنكي المغربي ما زال يهيمن عليه ما يعرف بـ”أوليغوبولي” أو احتكار القلة، مما يمنح البنوك قدرة كبيرة على تحديد شروط الاقتراض بعيدًا عن توجيهات السياسة النقدية.
وأكدت الدراسة أن البنوك غالبًا ما تتفاعل بشكل أقل مع انخفاض الفائدة مقارنة بارتفاعها، ما يحد من فاعلية السياسة النقدية كأداة لتعزيز النمو الاقتصادي.
ولفت التقرير إلى أن نجاح السياسة النقدية يتطلب بيئة شاملة، تشمل إصلاحات قانونية وضريبية، وسياسات اجتماعية داعمة، وتبسيط مساطر التمويل، لضمان وصولها إلى جميع الفاعلين الاقتصاديين وتحفيز الاستثمار والاستهلاك وخلق فرص الشغل.
كما ركزت الدراسة على أهمية الثقافة المالية لدى المواطنين، مشيرة إلى أن الفئات غير المعتادة على التعامل مع البنوك لن تستفيد من انخفاض أسعار الفائدة دون فهم كافٍ لحقوقها وواجباتها وآليات التمويل المتاحة.
وشددت الدراسة على ضرورة تطوير أدوات تمويل متنوعة، مثل التمويل التشاركي، والتمويل الأخضر، والتمويل الرقمي، معتبرًا أن تنويع القنوات التمويلية يعزز انتقال أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي بشكل فعال.
وأكدت الدراسة أهمية تعزيز الشفافية والتواصل مع الفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، مؤكدًا أن الإعلان المنتظم والواضح عن أهداف السياسة النقدية يزيد من قدرة الأسواق على التكيف مع تغيرات الفائدة وتوقعاتها المستقبلية.
كما حذرت الدراسة من أن غياب التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية قد يؤدي إلى نتائج متضاربة، ويحد من فاعلية الإجراءات في تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي.
وفي ختام الدراسة، الصادرة ضمن سلسلة دراسات تشمل 11 دراسة في المجال الاقتصادي والمالي والاجتماعي، اعتبرت الدراسة أن ضعف تأثير تخفيض سعر الفائدة الرئيسي يعكس تراكمات هيكلية في طبيعة النظام البنكي وتكوين الاقتصاد والمحيط الاجتماعي والثقافي، داعية إلى اعتماد رؤية شمولية ومندمجة للإصلاح، ترتكز على التعاون الوثيق بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات العمومية ضمن إطار رؤية وطنية واضحة.






