
في لحظة حساسة يعيش فيها القطاع البنكي المغربي واحدة من أكبر عمليات انتقال الملكية، فجّر حكم تجاري ثقيل ضد BMCI موجة ارتدادات تجاوزت حدود قاعة المحكمة لتصل مباشرة إلى بورصة الدار البيضاء وغرفة المفاوضات بين BNP Paribas وهولماركوم. فبين خطأ بنكي مكلف، وتصفية قضائية معقدة، وتقييمات مالية تعاد صياغتها تحت الضغط، قد يتحوّل ملف أبرون إلى عامل مفصلي يعيد رسم موقع BMCI داخل المشهد المالي الوطني.
في سابقة قضائية أثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط المالية المغربية، أصدرت المحكمة التجارية بالدار البيضاء حكماً ثقيلاً ضد بنك BMCI يقضي بأدائه 48.5 مليون درهم لفائدة شركة Abroun Gold TV Sat التابعة لمجموعة عبد المالك أبرون، ضمن مسطرة التصفية القضائية، بسبب ما اعتُبر “خطأً بنكياً” في تدبير وسائل الأداء المرتبطة بالكمبيالات والأوراق التجارية غير المسترجعة.
يتعلق الحكم رقم 16252 بتاريخ 18 دجنبر 2025، ونشرت تفاصيله في 6 يناير 2026، بعد سلسلة خبرات بنكية قضائية انطلقت منذ يناير 2024 وأثبتت إخلال البنك بواجبات الحيطة والحذر المفروضة بموجب القانون 103-12 المتعلق بمؤسسات الائتمان. وقد اعتُبر هذا الإخلال سبباً مباشراً في إحداث خسائر مادية ومعنوية للشركة المتعثرة.
يتوزع المبلغ المحكوم به على 36.88 مليون درهم كمبالغ غير مسترجعة مرتبطة باختلالات في إدارة الحسابات والكمبيالات التي فشل البنك في استرجاعها رغم كونه دائناً رئيسياً، و11.64 مليون درهم كتعويضات عن أضرار مادية مرتبطة بخسائر السيولة وتكاليف إضافية للتصفية، إضافة إلى الضرر المعنوي.
اعتمدت المحكمة في تقديرها على تقرير الخبراء ووثائق المحاسبة دون معادلة رياضية ثابتة، مع ربط واضح بين الخطأ البنكي والضرر وفق قواعد المسؤولية المدنية في قانون الالتزامات والعقود. وأُدرج المبلغ ضمن أصول التصفية مع إمكانية تحميل البنك فوائد تأخيرية في حال عدم التنفيذ.
ورغم أن هذا الحكم يدخل ضمن سياق مألوف في المسؤولية المدنية للمؤسسات البنكية ويعكس توجهاً قضائياً متنامياً منذ منتصف العقد الماضي لتشديد المساءلة بشأن تدبير وسائل الأداء، إلا أنه لا يشير إلى تغير في الإطار التنظيمي؛ إذ يظل دور بنك المغرب منصباً على الرقابة الاحترازية والاستقرار العام دون التدخل في النزاعات الخاصة، ولم يصدر عنه أي تعليق حتى الآن.
من الناحية المالية، يظل أثر المبلغ محدوداً مقارنة بمتانة البنك؛ فهو يمثل أقل من 0.2% من أرباح BMCI نصف السنوية لعام 2025 البالغة 222 مليون درهم، وأقل من 0.2% من القيمة السوقية المقدرة بحوالي 25 مليار درهم قبل الحكم. ومع ذلك، كان رد فعل السوق سريعاً؛ إذ تراجع السهم في 6 يناير 2026 بنسبة 3.91% مغلقاً عند 615 درهما مقابل افتتاح عند 640 درهما، بعد إغلاق سابق في 2 يناير عند 635 درهما، واستمر التذبذب بين 550 و615 درهما حتى جلسات 8 يناير التي شهدت ارتداداً جزئياً بنسبة 1.82%. وبلغ حجم التداول في 6 يناير 878,136 درهما (1,386 سهماً)، بينما ظل نشاط السهم ضعيفاً نسبياً مقارنة بسيولة السوق الإجمالية التي تراوحت بين 1 و1.8 مليار درهم يومياً خلال الفترة نفسها، ما يجعل وزن BMCI أقل من 0.1% من أحجام التداول.
ويرجع هذا التأثير القصير الأمد إلى مخاوف مرتبطة بثقة المستثمرين وحكامة المخاطر أكثر من الضغط المالي المباشر، خاصة مع تسجيل السهم تراجعاً سنوياً بنسبة 3.45% مقابل ارتفاع مؤشر مازي بـ 2.84% خلال الفترة نفسها. ويُضاف إلى ذلك بُعد مالي مهم يتمثل في أن الأحكام القضائية من هذا النوع قد تدفع البنك إلى رفع كلفة المخاطر (Cost of Risk) خلال 2026 عبر زيادة المخصصات المرتبطة بالنزاعات القضائية أو تشديد شروط قبول الأوراق التجارية، مما يفرض ضغطاً إضافياً على صافي الدخل البنكي ونسب الربحية مستقبلاً، حتى وإن لم يظهر الأثر فوراً.
أما الانعكاس الأكثر حساسية فيتعلق بالمفاوضات الحصرية الجارية بين مجموعة BNP Paribas المالكة لـ 67% من رأسمال BMCI، وبين مجموعة هولماركوم التي تملك 2.41% حالياً، بعد إعلان مفاوضات الاستحواذ في دجنبر 2025. كان السهم قد ارتفع حينها بـ 7.6% في 12 دجنبر قبل أن يتراجع بعد الحكم القضائي، في مشهد يعكس هشاشة توازنات الثقة خلال مراحل انتقال الملكية. وقد يتحول هذا الحكم إلى عنصر تفاوضي جوهري تستغله هولماركوم عبر رفع ما يسمى الهامش الإضافي للمخاطر القانونية (Legal Risk Premium) داخل عملية التقييم، مما قد يفضي إلى:
- مراجعة مضاعف القيمة الدفترية (P/B),
- أو طلب ضمانات تعاقدية ضد أي خسائر ناجمة عن دعاوى جارية،
- أو حتى السعي إلى خفض سعر الاستحواذ في ضوء مؤشرات على ضعف الرقابة الداخلية.
وترتبط هذه الدينامية بما هو أعمق من واقعة معزولة، إذ تثير القضية تساؤلات حول وجود فجوات محتملة في تدبير وسائل الأداء التجارية والرقابة الداخلية داخل بعض المؤسسات البنكية. وإذا أصبح هذا الانطباع سائداً في السوق، فقد يؤدي إلى ضغط أكبر على بنك المغرب لتشديد المتطلبات المتعلقة بالمخاطر التشغيلية وآليات مراقبة العمليات. وهذا لا يؤثر على BMCI فقط، بل قد ينعكس على صورة القطاع ككل في مرحلة تعرف تحولاً من الملكية الأجنبية نحو ملكية وطنية تستدعي بدورها معايير حوكمة أكثر صرامة.
وقد يدفع هذا الوضع BMCI إلى تسريع مراجعة منظومات الرقابة الداخلية، خاصة في ما يتعلق بالعمليات المرتبطة بالكمبيالات والتصفية القضائية، مع احتمال اللجوء إلى الاستئناف لتأخير التنفيذ وتقليص أثر الحكم. ولم يصدر عن البنك أي موقف رسمي إلى حدود 8 يناير، في وقت ينتظر فيه المستثمرون نتائج الربع الأول من 2026 لقياس الأثر المالي الحقيقي للقضية.
يبرز هذا المشهد كيف يمكن لنزاع قضائي فردي أن يلقي بظلاله على دينامية قطاعية أوسع، في سياق انتقال استراتيجي من الملكية الأجنبية إلى الوطنية، ما يعزز فرص التقارب مع النسيج المقاولاتي المحلي لكنه يفرض بالمقابل متطلبات أعلى في الحوكمة وإدارة المخاطر لمنع تكرار حوادث مماثلة.






