
دخلت السلطات المالية والمصرفية في المغرب المرحلة النهائية نحو اعتماد أول إطار قانوني شامل ينظم سوق الأصول المشفرة، بعد نشر مسودة مشروع القانون على موقع الأمانة العامة للحكومة في نونبر 2025 لفتح النقاش العمومي. ويأتي هذا التحرك في سياق توسع ملحوظ في استخدام العملات الرقمية داخل المملكة، وسط تقديرات خبراء تشير إلى أن حجم التداول غير المنظم قد تجاوز 500 مليون دولار سنوياً، ما دفع السلطات إلى إخراج هذا النشاط من المنطقة الرمادية وإدماجه ضمن منظومة مالية منظمة تراعي التحول الرقمي وتحافظ على الاستقرار النقدي.
المشروع، الذي أعده بنك المغرب خلال ثلاث سنوات بتعاون تقني من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وصل إلى ردهات الحكومة تمهيداً لتقديمه إلى البرلمان في 2026، مع منح فترة انتقالية تصل إلى 18 شهراً أمام الفاعلين الحاليين للامتثال للمعايير الجديدة. ويعتمد النص هندسة رقابية جديدة تقوم على توزيع دقيق للاختصاصات، حيث يتولى بنك المغرب الإشراف على العملات المستقرة المرتبطة بأصول فعلية تفرض تغطية كاملة بأصول سائلة وإمكانية استبدال فوري، مع رقابة مشددة على التدفقات لضمان السيادة النقدية وحماية السوق من تقلبات الأصول العالمية.
وفي الجانب الآخر، أسند المشروع للهيئة المغربية لسوق الرساميل الإشراف على منصات التداول وإصدار الرموز الرقمية وخدمات الحفظ والتبادل، مع اعتماد نظام ترخيص يمنح خلال 120 يوماً للشركات المغربية المستوفية لشروط رأس مال تحدده السلطة الحكومية المكلفة بالمالية، وهياكل حوكمة متقدمة وضمانات تشغيلية وتنظيمية. ويمثل هذا الإطار تحولاً في حماية المستثمرين، بعد سنوات شهدت فيها السوق المحلية عمليات احتيال ومنصات وهمية تكبد خلالها مستخدمون خسائر بملايين الدراهم.
وتفرض المسودة الجديدة شروطاً صارمة لإعادة ترتيب القطاع، إذ تشترط وجود مقر فعلي داخل المغرب ومعايير أهلية مهنية للمسيرين خالية من السوابق الجنائية، مع منظومة رقابة داخلية مستوحاة من الممارسات الدولية في إدارة المخاطر. ويلزم النص الشركات بتطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يشمل التحقق من هوية العملاء، وتتبع العمليات، وحفظ البيانات لفترات طويلة، وإبلاغ الهيئة الوطنية للمعلومات المالية بالعمليات المشبوهة، إضافة إلى عقوبات مالية وجنائية في حالات التلاعب أو استغلال المعلومات الحساسة.
كما يفرض مشروع القانون متطلبات واضحة تتعلق بالإفصاح عن المخاطر، ومعالجة شكايات العملاء، ووضع خطط لاستمرارية الأنشطة تحسباً للهجمات السيبرانية التي تشكل أحد أبرز التهديدات في هذا القطاع. ورغم اعتماد مقاربة منفتحة، يقيد الإطار التشريعي الجديد نطاق التطبيق بالأصول الأكثر استقراراً، مستبعداً تمويل DeFi والرموز غير القابلة للاستبدال وأنشطة التعدين، مع التأكيد على أن الأصول الرقمية لا تُعد وسيلة دفع قانونية حفاظاً على مكانة الدرهم. ويتيح النص إمكانية توسيع النظام بشكل تدريجي مستقبلاً، وفق تطور السوق وتوفر شروط الأمان.
ويأتي هذا المسار في وقت يشهد فيه المغرب توسعاً في استخدام العملات والأصول الرقمية، مع تقديرات غير رسمية تتحدث عن أكثر من مليوني مستخدم. ويرى مراقبون أن اعتماد القانون خلال 2026 قد يفتح الباب أمام شراكات دولية واستقطاب منصات عالمية، شرط خضوعها للمعايير المغربية، بما يعزز موقع المملكة ضمن الاتجاه الإقليمي نحو الابتكار في مجال التكنولوجيا المالية، مع بقاء تحديات التنفيذ والرقابة رهن قدرة المؤسسات على مواكبة التطورات المتسارعة.






