
أعاد الانخفاض الحاد الذي شهده سعر الذهب في الأسواق العالمية يوم 30 يناير 2026 طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المعدن النفيس، خصوصاً في الأسواق المرتبطة به ثقافياً واقتصادياً مثل السوق المغربي. فبعد بلوغ مستويات تاريخية قاربت 5600 دولار للأوقية، تراجع السعر بشكل سريع إلى ما دون 5000 دولار، في حركة تصحيحية قوية أنهت موجة صعود استثنائية وأدخلت السوق في مرحلة إعادة تموضع.
من القمم القياسية إلى التصحيح: ماذا حدث في السوق العالمية؟
هذا التراجع لا يمكن فصله عن التحولات التي طرأت على المشهد النقدي والسياسي الدولي. فقد أسهم الإعلان عن تعيين قيادة جديدة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تغيير توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة، ما عزز قوة الدولار وقلّص جاذبية الذهب كأصل غير مدرّ للعائد. في الوقت نفسه، خفّف الحديث عن قنوات تفاوض دبلوماسية في الشرق الأوسط من منسوب القلق الجيوسياسي، وهو عامل لطالما دعم الطلب التحوطي على الذهب خلال الأشهر الماضية. ومع بلوغ الأسعار قمماً غير مسبوقة، بدا جني الأرباح منطقياً، بل شبه حتمي من زاوية التحليل الفني.
انتقال الصدمة إلى المغرب: انخفاض الأسعار دون انتعاش في الطلب
في المغرب، انتقلت هذه الصدمة بسرعة إلى السوق المحلية، حيث سُجّل تراجع في أسعار الغرام، خصوصاً عيار 18، غير أن هذا الانخفاض لم يُترجم إلى انتعاش فوري في الطلب. فالسوق يعيش حالة ترقب مزدوجة: مستهلكون يفضّلون الانتظار تحسباً لمزيد من التراجع، وتجار يتحفظون في تعديل الأسعار بشكل سريع، في سياق يتسم أصلاً بالركود نتيجة الارتفاعات القياسية السابقة التي أضعفت القدرة الشرائية. هذا التفاعل البطيء يعكس اختلالاً هيكلياً في آليات انتقال الأسعار، ويُبقي السوق في حالة جمود مؤقت رغم التراجع الاسمي للأسعار.
من زاوية تحليل الاتجاهات، لا تشير المعطيات الحالية إلى تغير جذري في المسار طويل الأمد للذهب، بقدر ما تعكس تصحيحاً قوياً بعد موجة صعود استثنائية. فالذهب لا يزال يستفيد من طلب مؤسسي متواصل، خاصة من قبل البنوك المركزية في الاقتصادات الصاعدة، كما يحتفظ بدوره التقليدي كأداة تحوط في مواجهة التضخم وعدم اليقين المالي. تقنياً، يتمركز السعر العالمي قرب مستويات دعم حساسة، ما يجعل سيناريو الاستقرار أو الارتداد التدريجي قائماً، وإن كان مشروطاً بتطورات السياسة النقدية الأمريكية وقوة الدولار خلال الأشهر المقبلة.
بالنسبة للسوق المغربي، يظل الذهب مرتبطاً أساساً بمنطق الادخار والحفاظ على القيمة أكثر من كونه أداة مضاربة قصيرة الأجل. فالأسر المغربية تنظر إلى الذهب كملاذ نسبي في بيئة اقتصادية تتسم بتآكل تدريجي للقوة الشرائية، بينما يتعامل معه المستثمرون كعنصر تكميلي داخل محافظ متنوعة، لا كرهان وحيد. هذا المنطق يجعل من التراجع الحالي عاملاً لإعادة التوازن، وليس بالضرورة إشارة على نهاية دورة الصعود.
سيناريوهات المرحلة المقبلة: بين الاستقرار والارتداد التدريجي
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل المخاطر القائمة. فاستمرار قوة الدولار أو تشديد السياسة النقدية الأمريكية قد يضغط على الأسعار مجدداً، كما أن ضعف الطلب الداخلي قد يحدّ من سرعة تعافي السوق المحلية. في المقابل، يبقى سيناريو الاستقرار ثم الصعود التدريجي مطروحاً، خصوصاً في حال عودة التوترات الجيوسياسية أو تباطؤ الاقتصاد العالمي.
في الخلاصة، يعكس ما شهده الذهب نهاية يناير 2026 مرحلة تصحيح ضرورية أكثر مما يعكس تحولاً بنيوياً في السوق. وبالنسبة للمغرب، يندرج هذا التطور ضمن سياق أوسع من التكيف مع الصدمات الخارجية، في سوق لا يزال الذهب فيه يحتفظ بمكانته كأداة تحوط وادخار، في انتظار وضوح أكبر لمسار الاقتصاد العالمي والسياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.





