مع المستهلك

الذهب في يونيو 2025… صعود الأسعار وتبدل السلوك الاستهلاكي المغربي

يشهد سوق الذهب العالمي خلال شهر يونيو 2025 تطورات ملحوظة تؤثر بشكل مباشر على السوق المغربي، سواء من حيث مستويات الأسعار أو أنماط الاستهلاك، ما يجعل من هذا الشهر محطة مهمة تستوجب التوقف والتحليل، خاصة في ظل تداخل العوامل الاقتصادية العالمية مع خصوصيات الاقتصاد المحلي وتغيرات الطلب الداخلي على المعدن الأصفر.

فمنذ مطلع الشهر، اتخذت أسعار الذهب العالمية منحى تصاعديًا واضحًا، حيث تجاوز سعر الأونصة حاجز 3,300 دولار، وسط تذبذب محدود بفعل تفاعل الأسواق مع تطورات اقتصادية وجيوسياسية متشابكة. ويأتي هذا الارتفاع في سياق الغموض المستمر حول مستقبل المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، بالإضافة إلى ترقب الأسواق لبيانات التضخم الأمريكية، المتوقع أن ترتفع من 2.3% إلى 2.5%. هذا الأمر أدى إلى ضغوط متزايدة على الدولار، مما عزز من جاذبية الذهب كملاذ آمن. وبينما يعتبر البعض هذا الصعود مؤقتًا، تشير التحليلات الفنية إلى إمكانية استمرار الاتجاه التصاعدي، خصوصًا مع وجود دعم قوي عند مستوى 3,315 دولار ومقاومات عند 3,400 دولار وما فوق، ما يعكس احتمال تسجيل مكاسب إضافية خلال الفترة المقبلة.

السوق المغربي: ارتفاع سريع في الأسعار وتغيرات في سلوك المستهلك

على المستوى المحلي، كان التأثير مباشرًا، حيث شهدت محلات المجوهرات والصياغة ارتفاعًا لافتًا في الأسعار خلال الأيام الأولى من يونيو. وقد بلغ سعر الغرام من عيار 21 نحو 770 درهمًا في مدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط، في حين وصل سعر عيار 24 إلى نحو 870 درهمًا، مع تباينات طفيفة حسب كلفة المصنعية. هذا الارتفاع دفع المستهلك المغربي إلى التحلي بمزيد من الحذر، لا سيما في ظل تآكل القدرة الشرائية الناتج عن ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المواد الأساسية.

ورغم أن الذهب لطالما ارتبط بالعادات الاجتماعية، خاصة في مناسبات الزواج والخطوبة، إلا أن الظرف الحالي دفع الكثير من الأسر إلى تعديل سلوكها الاستهلاكي، حيث زاد الإقبال على العيارات المنخفضة مثل 18 قيراطًا، أو على الذهب المستعمل المعروف بـ”الذهب القديم” لتقليص الكلفة. كما برزت ظاهرة “تدوير الذهب”، إذ يعمد بعض الزبائن إلى بيع مجوهراتهم القديمة مقابل اقتناء قطع جديدة بنفس القيمة تقريبًا. في المقابل، سُجّل طلب متزايد على السبائك الصغيرة والأونصات الاستثمارية، ما يعكس تطورًا في الوعي المالي لدى بعض فئات المجتمع، التي باتت ترى في الذهب وسيلة للادخار والحماية من تقلبات الأسواق وانخفاض قيمة العملات.

مخاوف التجار وتراجع في الطلب الموسمي

عبّر عدد من الصاغة وتجار الذهب، خاصة في الأسواق التقليدية مثل “درب عمر” بالدار البيضاء و”سوق الخميس” بمراكش، عن مخاوفهم من استمرار موجة الارتفاع، ما قد يُفضي إلى حالة من الركود التجاري، خصوصًا في ظل تراجع الإقبال مقارنة بالسنوات الماضية. وأشار بعضهم إلى انخفاض في حجم الطلبيات الجديدة من المصنعين، مع تفضيلهم الاحتفاظ بالمخزون الحالي ريثما تتضح الرؤية.

التأثيرات الاقتصادية الكلية: عبء إضافي على كلفة الاستيراد

من الناحية الاقتصادية الكلية، يُمثل الارتفاع العالمي في أسعار الذهب تحديًا إضافيًا للمغرب، لاسيما على صعيد كلفة الاستيراد، حيث يتم تسعير المعدن بالدولار، ما يجعل أي ارتفاع في سعر الأونصة، أو تراجع في قيمة الدرهم، مضاعفًا للأعباء على المستوردين. ورغم أن بنك المغرب لا يتدخل بشكل مباشر في تحديد أسعار الذهب، فإن سياساته النقدية، خاصة ما يتعلق بإدارة احتياطي العملة الأجنبية والتحكم في سعر صرف الدرهم، تؤثر بشكل غير مباشر على السوق المحلي.

من الاستهلاك إلى الاستثمار: تغير تدريجي في العلاقة مع الذهب

الذهب لم يعد محط اهتمام المستهلك الفردي فقط، بل بات يستقطب اهتمام المستثمرين المحليين الذين يبحثون عن أدوات آمنة لحماية مدخراتهم من التآكل بفعل التضخم وتقلبات السوق. في هذا السياق، بدأ يظهر توجه استثماري محدود نحو شراء السبائك والأونصات، كما بدأت بعض الشركات المتخصصة في الترويج لمنتجات جديدة مثل بطاقات شراء الذهب أو برامج الادخار الذهبي الشهري، وهي أدوات لا تزال في بداياتها لكنها تعكس تغيرًا ملحوظًا في الثقافة المالية المغربية.

مقارنة مغاربية: تشابه واختلاف في أنماط الطلب

في مقارنة مع باقي الدول المغاربية، يسير المغرب على نفس المنوال مع بعض الفوارق. ففي الجزائر، يستمر الطلب القوي بفعل العادات الاجتماعية، بينما تعرف تونس تراجعًا ملحوظًا نتيجة الضغوط الاقتصادية الكبيرة، حيث باتت الأولويات المعيشية تطغى على اقتناء الذهب. أما في المغرب، فرغم الصعوبات، لا يزال الذهب يحافظ على رمزيته الاجتماعية، وإن كان الإقبال عليه قد تراجع نسبيًا بفعل ارتفاع الأسعار.

آفاق السوق: بين تفاؤل حذر وتوقعات متباينة

الآراء حول مستقبل الذهب لا تزال متباينة. فبينما تتوقع مؤسسات مثل Citi وJ.P. Morgan استمرار الاتجاه الصعودي مع إمكانية تجاوز 3,500 دولار للأونصة، تحذر جهات أخرى مثل Quant Mutual Fund من احتمال حدوث تصحيح قد يصل إلى 15%. هذا التباين يزيد من حيرة المستثمر المغربي، ويدفعه إلى مزيد من الترقب والحذر في قرارات الشراء أو البيع.

الحذر سيد الموقف في مرحلة دقيقة

في ظل هذه التحولات، يُطالب المستهلك المغربي باتخاذ قرارات مالية مدروسة، سواء لأغراض استهلاكية أو استثمارية، مع ميول متزايدة لشراء الذهب في فترات التراجع بدل الذروة، والبحث عن بدائل أكثر اقتصادية. ويبدو أن التغيرات الثقافية والاقتصادية ستقود في المستقبل القريب إلى إعادة تشكيل علاقة المغاربة بالذهب، سواء كرمز اجتماعي أو كأداة مالية.

هكذا، يمكن القول إن يونيو 2025 يشكل مرحلة دقيقة لسوق الذهب المغربي، تتقاطع فيها تأثيرات الأسواق العالمية مع تحديات محلية معيشية، في مشهد تتداخل فيه الثقة بالحذر، وتبقى فيه قيمة الذهب حاضرة بثقلها الاقتصادي ورمزيتها الثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى