
أثار تصريح نزار بركة، الذي أقر فيه بعدم تحقيق الحكومة للنتائج المرجوة في ملف التشغيل، وفشلها في احتواء المضاربات في قطاع المحروقات، نقاشًا سياسيًا يتجاوز مضمونه المباشر، ليطرح سؤالًا أعمق حول طبيعة الخطاب داخل حكومة عزيز أخنوش، وحدود النقد الذاتي بين ما هو ممارسة صحية وما قد يُفهم كشعبوية أو تموقع سياسي.
في الظاهر، يبدو هذا التصريح تعبيرًا عن جرأة سياسية نادرة نسبيًا داخل العمل الحكومي. فالإقرار بوجود قصور في ملفين حساسين—التشغيل الذي يمس الاستقرار الاجتماعي، والمحروقات التي تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية—قد يُفهم كخطوة نحو مصارحة الرأي العام، وكسر لخطاب التبرير الذي يطغى أحيانًا على التواصل الرسمي. من هذا المنظور، يمكن اعتبار ما صدر عن بركة ممارسة صحية تعكس وجود نقاش داخلي، وربما إرادة لإعادة توجيه السياسات العمومية نحو مزيد من الفعالية.
غير أن هذا البعد الإيجابي يصطدم بسرعة بسؤال المسؤولية. فالمتحدث ليس فاعلًا خارجيًا أو صوتًا معارضًا، بل عضو في الحكومة نفسها، وفاعل أساسي في أغلبيتها. هنا تتغير زاوية النظر: فبدل أن يُستقبل التصريح كتشخيص محايد، قد يُقرأ كنوع من التبرؤ الجزئي من الحصيلة الجماعية. بالنسبة لجزء واسع من الرأي العام، يبدو الأمر أقرب إلى مفارقة: كيف يمكن لمن يشارك في اتخاذ القرار أن يعلن فشله دون أن يرفق ذلك بإجراءات واضحة لتصحيح المسار؟
تزداد حدة هذا التناقض حين نضع التصريح في سياق التوازنات الحزبية. فـنزار بركة لا يتحدث فقط كوزير، بل كأمين عام لحزب يسعى بطبيعة الحال إلى الحفاظ على موقعه السياسي ورصيده الانتخابي. في هذا الإطار، يصبح النقد أداة مزدوجة: من جهة، وسيلة للضغط من داخل الحكومة لتعديل السياسات، ومن جهة أخرى، خطابًا موجّهًا للرأي العام لتأكيد التمايز عن باقي مكونات الأغلبية. وبين هذين البعدين، يضيع أحيانًا الحد الفاصل بين النقد المسؤول والخطاب السياسي المحسوب.
أما من زاوية المواطن، فإن استقبال هذا النوع من التصريحات يظل محكومًا بتجربة يومية مثقلة بالانتظارات غير المحققة. فملف التشغيل ليس مجرد رقم في تقارير رسمية، بل واقع يعيشه آلاف الشباب الباحثين عن فرصة. وقطاع المحروقات لا يُختزل في نقاش تقني حول المنافسة، بل ينعكس مباشرة على أسعار النقل والمواد الأساسية. لذلك، فإن أي حديث عن “فشل” في هذين المجالين لا يُستقبل كتحليل سياسي مجرد، بل كإقرار يمس الحياة اليومية للمواطنين.
هنا تحديدًا تتبلور المفارقة: المواطن قد يقدّر الصراحة، لكنه لا يكتفي بها. بل إن الصراحة، إذا لم تُترجم إلى قرارات، قد تتحول إلى مصدر إضافي للشك. فالتشخيص، في نظره، ليس إنجازًا بحد ذاته، بل خطوة أولى يفترض أن تتبعها أفعال ملموسة. وعندما يغيب هذا الامتداد العملي، يصبح الخطاب عرضة للتصنيف ضمن خانة الشعبوية، أو على الأقل ضمن خطاب سياسي يهدف إلى امتصاص الغضب أكثر من معالجته.
في العمق، يعكس هذا الجدل إشكالًا بنيويًا في الممارسة السياسية: كيف يمكن التوفيق بين مبدأ التضامن الحكومي، الذي يفرض وحدة الخطاب، وبين الحاجة إلى النقد الذاتي كآلية للتصحيح؟ التجربة تُظهر أن غياب النقد يؤدي إلى جمود، لكن الإفراط فيه بشكل علني قد يضعف الثقة في المؤسسات. وبين هذين الحدين، تظل المعادلة الدقيقة قائمة: نقدٌ من الداخل، نعم، لكن مشفوع بالمسؤولية، ومقرون بقدرة حقيقية على التغيير.
في النهاية، لا يُحسم الجدل حول ما إذا كان هذا الخطاب شعبويًا أو صحيًا من خلال الكلمات وحدها، بل من خلال ما سيأتي بعدها. فإذا تحول هذا التشخيص إلى سياسات أكثر نجاعة في التشغيل، وإجراءات فعالة لضبط سوق المحروقات، فسيُقرأ كتعبير عن شجاعة سياسية. أما إذا ظل في حدود التصريح، فسيُضاف إلى رصيد الشك الذي يرافق الخطاب السياسي في نظر الكثير من المواطنين.






