
بقلم: عادل مفتاح
مستشار في ريادة الأعمال
يعاني جزء من منظومة ريادة الأعمال في المغرب تحولا مقلقا؛ فبدلا من التركيز على بناء شركات حقيقية تقدم حلولا لمشكلات واقعية، أصبح الاهتمام منصبا على بيع الأحلام، والترويج لتقييمات مالية مبالغ فيها (Valuations)، وأرقام لا تعكس بالضرورة واقع المشروع.
ولا تقتصر المسؤولية على المستثمرين الذين يساهمون أحيانا في تضخيم هذه الصورة، بل تمتد أيضا إلى عدد من المؤسسين (Founders) الذين باتوا يعتبرون ريادة الأعمال سلسلة من المشاركات في الفعاليات، والصور على منصات التواصل الاجتماعي، والعروض التقديمية (Pitch Deck)، بينما يغيب عنهم جوهر المهمة الأساسية: فهم العميل وبناء منتج يحل مشكلة حقيقية، لا مجرد إقناع المستثمر.
هذه الثقافة القائمة على الضجيج الإعلامي (Hype) أكثر من القيمة المضافة أفرزت اختلالات واضحة داخل السوق، أبرزها ظاهرة النسخ الأعمى (Copy-Paste). فكثير من المشاريع تستورد نماذج نجحت في الولايات المتحدة أو أوروبا وتحاول تطبيقها كما هي في المغرب، متجاهلة أن الأسواق تختلف، وأن سلوك المستهلك والقدرة الشرائية والثقافة المحلية ليست واحدة.
فالمستهلك الذي يتخذ قراراته في اقتصاد متقدم ليس بالضرورة شبيها بالمستهلك المغربي الذي يوازن بعناية بين احتياجاته وإمكاناته المالية. لذلك فإن نجاح فكرة في سوق معين لا يعني بالضرورة نجاحها في سوق آخر.
ومن بين الإشكالات أيضا ظهور مؤسسين يحفظون قصص نجاح شركات وادي السيليكون، ويعرفون أسماء كبار المستثمرين العالميين، لكنهم لا يمتلكون فهما عميقا لعملائهم المحليين: كيف يفكرون؟ وما الذي يدفعهم إلى الشراء؟ وما المشكلات التي يسعون إلى حلها؟ فتتحول الفكرة إلى نموذج مستورد يحاول فرض نفسه على سوق قد لا يكون بحاجة إليه أصلا.
كما يلاحظ أن البعض يجعل الحصول على التمويل هدفا في حد ذاته، فيسخر جهوده لإعداد خطط الأعمال (Business Plan) والعروض التقديمية (PowerPoint) أملا في الفوز ببرامج الدعم أو جذب المستثمرين، بينما يأتي تطوير المنتج وفهم احتياجات السوق في مرتبة ثانوية. والحقيقة أن السوق لا يجامل أحدا، والأرقام وحدها هي التي تحسم النجاح أو الفشل.
وفي نهاية المطاف، يبقى السوق هو الحكم الحقيقي. فقد يتحمس المستثمر في البداية، وقد يسلط الإعلام الضوء على المشروع، لكن النتيجة النهائية لا تخرج عن احتمالين:
– إما وجود عملاء مستعدين للدفع مقابل المنتج أو الخدمة، وعندها يكون هناك مشروع قابل للحياة والنمو.
– وإما غياب هذا الطلب الحقيقي، وعندها لا يتجاوز الأمر بيع فكرة جميلة أو حلم مؤقت.
فالنجاح لا يتحقق عبر استنساخ تجارب الآخرين أو حفظ وصفات جاهزة، بل عبر فهم الواقع، واستيعاب احتياجات السوق، والإنصات إلى الزبناء. وقد يستمر الوهم سنوات، لكن القيمة المضافة الحقيقية وحدها هي التي تضمن الاستمرار وتصنع النجاح على المدى الطويل.





