
انتقل النقاش حول الجيل الخامس 5G في المغرب خلال الأشهر الأخيرة من مستوى الاستعداد التقني إلى مستوى الاستخدامات الملموسة داخل القطاعات الإنتاجية. وفي هذا السياق، يشكل حديث وسيم العروسي، مدير الدراسات والتنمية لدى إنوي، خلال فعاليات Africa Executive Roundtable 2026 اليوم بالرباط، عن أن “الـ5G الخاصة لم تعد وعدًا بل واقعًا”، مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة في توظيف هذه التكنولوجيا داخل الصناعة، حيث لم يعد الحديث مقتصرًا على البنية التحتية، بل امتد إلى دورها المباشر داخل منظومات الإنتاج.
المعطى الأبرز في هذا التطور يتمثل في إطلاق inwi لأول شبكة 5G خاصة موجهة للاستخدام الصناعي في المغرب، بشراكة مع China Mobile International، داخل موقع صناعي بالجهة الشرقية يمتد على 52 هكتارًا. ويُعد هذا المشروع من بين أولى التطبيقات العملية لما يُعرف بالشبكات الخاصة (Private 5G)، التي تُخصص لمؤسسات صناعية بعينها بدل تعميمها على العموم، ما يمنحها مرونة أكبر في التكيّف مع متطلبات الإنتاج.
هذا النوع من الشبكات يعكس تحولًا في فلسفة نشر البنية التحتية الرقمية. فبدل نموذج “شبكة واحدة للجميع”، يتم الانتقال إلى نموذج “شبكات مخصصة حسب الحاجة”، حيث تُصمم كل شبكة وفق خصوصيات الموقع الصناعي، سواء من حيث التغطية أو مستويات الأمان أو زمن الاستجابة. وهو ما يجعلها مناسبة لتطبيقات دقيقة مثل ربط الآلات الصناعية، المراقبة اللحظية، الأتمتة، وأنظمة إنترنت الأشياء داخل المصانع.
ومن الناحية التشغيلية، تتيح هذه الشبكات إمكانيات جديدة تتجاوز مجرد تحسين الاتصال، إذ تسمح بإدارة العمليات الصناعية في الزمن الحقيقي، وتقليص فترات التوقف، وتحسين الصيانة عبر التتبع المستمر للأجهزة، فضلًا عن تمكين التنسيق الفوري بين مختلف مكونات سلسلة الإنتاج داخل نفس الموقع. وهي عناصر تندرج ضمن التحولات المرتبطة بما يُعرف بالصناعة 4.0، حيث تصبح البيانات عنصرًا أساسيًا في اتخاذ القرار.
ويأتي هذا المشروع في سياق أوسع يشهد فيه المغرب تسارعًا في تهيئة بيئة الجيل الخامس، بعد منح التراخيص للفاعلين الرئيسيين في قطاع الاتصالات خلال 2025، إلى جانب استثمارات موازية في البنيات التحتية، خاصة الألياف البصرية. ويعكس هذا التدرج انتقال السوق من مرحلة الإعداد التنظيمي والتقني إلى مرحلة اختبار الاستخدامات، مع تركيز متزايد على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وفي مقدمتها الصناعة.
على مستوى الدلالات، يعكس هذا التطور توجهًا واضحًا نحو إدماج التكنولوجيا الرقمية بشكل مباشر داخل العمليات الإنتاجية، بدل الاقتصار على استعمالها في الخدمات أو التواصل. كما ينسجم مع التوجهات العالمية، حيث أصبحت الشبكات الخاصة عنصرًا حاسمًا في تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليص التكاليف وتعزيز المرونة الصناعية، خاصة في البيئات التي تتطلب دقة واستمرارية عالية.
غير أن تعميم هذا النموذج يظل رهينًا بعدة عوامل. فإلى جانب كلفة الاستثمار، التي قد تشكل عائقًا أمام عدد من المقاولات، تبرز مسألة الجاهزية التقنية والبشرية كعنصر حاسم في نجاح هذا التحول. فاستغلال إمكانيات 5G الخاصة يتطلب إعادة تنظيم العمليات، وتطوير الكفاءات، واعتماد أنظمة متكاملة قادرة على التعامل مع تدفقات البيانات في الزمن الحقيقي.
كما تطرح هذه التحولات رهانات جديدة مرتبطة بالأمن السيبراني وحماية المعطيات، خاصة في ظل حساسية المعلومات الصناعية، ما يستدعي تطوير آليات متقدمة لضمان استمرارية وأمان هذه الشبكات داخل بيئات الإنتاج.
من جهة أخرى، يعكس هذا المشروع تطورًا في تموقع الفاعلين في قطاع الاتصالات، حيث لم يعد دورهم يقتصر على توفير الربط، بل يمتد إلى مرافقة التحول الرقمي داخل القطاعات الاقتصادية، من خلال تقديم حلول موجهة ومتكاملة. وهو ما تسعى إليه inwi عبر توسيع نطاق تدخلها نحو الاستخدامات الصناعية المتقدمة.
في المحصلة، يمثل إطلاق أول شبكة 5G خاصة في المغرب خطوة أولى نحو بناء نموذج صناعي يعتمد بشكل أكبر على البيانات والاتصال الذكي، ويؤشر على بداية مرحلة اختبار حقيقية لقدرة هذه التكنولوجيا على إحداث أثر ملموس داخل النسيج الإنتاجي، في أفق تقييم نتائجها من حيث الأداء والإنتاجية وإمكانية تعميمها على نطاق أوسع.





