رئيسيةوجهات نظر

رقمنة تجارة القرب.. هل يفهم مزور حقيقة “الحانوت” المغربي؟

بين طموح رقمنة التجارة القريبة وواقع “الحانوت” المغربي، تبدو المسافة أكبر بكثير من مجرد توفير أجهزة الأداء الإلكتروني أو إطلاق شعارات من قبيل “تجارة المغرب 2030”. فالدعوة التي أطلقها وزير الصناعة والتجارة رياض مزور من مراكش، خلال افتتاح المنتدى الوطني للتجارة، لابتكار حلول رقمية جديدة تواكب تحولات القطاع، تعكس رؤية استراتيجية تسعى إلى تحديث واحد من أكثر القطاعات التصاقًا بالحياة اليومية للمغاربة. غير أن هذه الرؤية، رغم وجاهتها الاقتصادية، تصطدم بواقع اجتماعي ونفسي ومهني أكثر تعقيدًا مما توحي به الخطابات الرسمية.

تجارة القرب في المغرب ليست مجرد نشاط اقتصادي صغير، بل هي منظومة اجتماعية متجذرة، تمثل نقطة التقاء يومية بين المواطن واحتياجاته الأساسية. “الحانوت” ليس فقط فضاء للبيع، بل مؤسسة ثقة محلية، ومركز تواصل اجتماعي، وأحيانًا شبكة تضامن غير معلنة عبر البيع بالدين أو المرونة في الأداء. لهذا فإن نقل هذا النموذج التقليدي نحو الرقمنة لا يمكن أن يتم بمنطق إداري أو تقني صرف، بل يحتاج إلى فهم عميق للعلاقات الإنسانية التي تحكمه.

الرهان يبدأ من نقطة شديدة الحساسية: هامش الربح. فالتاجر الصغير الذي يشتغل بهامش لا يتجاوز في كثير من الأحيان بين 4 و6 في المائة، لا يستطيع تحمل اقتطاعات إضافية مرتبطة بعمولات الأداء الإلكتروني. الوزير نفسه أقر بأن بعض الرسوم قد تلتهم ما بين 50 و75 في المائة من هامش الربح، وهو اعتراف كافٍ لفهم حجم الأزمة. عندما يشعر صاحب الدكان أن استعمال جهاز الأداء الإلكتروني سيجعله يبيع أكثر ليكسب أقل، فإن رفضه يصبح قرارًا عقلانيًا لا مقاومة للتحديث.

الأرقام هنا لا تكذب. وجود عشرات الآلاف من أجهزة الأداء الإلكتروني لا يعني بالضرورة نجاح الرقمنة، لأن جزءًا كبيرًا منها غير مستعمل بانتظام أو موجود فقط لتلبية شروط إدارية أو بنكية. كثير من التجار يعتبرون الجهاز عبئًا إضافيًا، لا أداة لتوسيع النشاط. بل إن بعضهم يرى فيه وسيلة لمضاعفة الرقابة الضريبية دون مقابل اقتصادي مباشر، وهو ما يعمق منسوب الحذر والرفض.

لكن المشكلة لا تتعلق بالتاجر وحده. الزبون المغربي نفسه ما يزال وفيًا للنقد. الكاش ليس فقط وسيلة أداء، بل ثقافة مترسخة. في المعاملات الصغيرة، خصوصًا داخل الأحياء الشعبية والأسواق المحلية، يفضل المستهلك الدفع النقدي لأنه أسرع، أبسط، وأكثر وضوحًا بالنسبة له. كما أن الثقة في الأداء الرقمي ما تزال محدودة، خاصة مع تزايد الحديث عن الاحتيال الإلكتروني والقرصنة، ما يجعل كثيرين يعتبرون النقود الورقية أكثر أمانا من الهاتف أو البطاقة البنكية.

المفارقة أن المغرب يعيش توسعًا في الاتصال الرقمي وانتشار الهواتف الذكية، لكنه لم ينجح بعد في تحويل هذا الانتشار إلى سلوك مالي رقمي شامل. هذا يعني أن المشكلة ليست في البنية فقط، بل في الثقة. لا يمكن فرض الرقمنة على مجتمع لا يزال يعتبر النقد ضمانًا نفسيًا قبل أن يكون أداة مالية.

في المناطق القروية، يصبح الحديث عن الرقمنة أكثر تعقيدا. ضعف التغطية بالإنترنت، محدودية الخدمات البنكية، غياب المواكبة التقنية، وارتفاع كلفة التجهيزات، كلها تجعل التاجر القروي يشعر أن الحديث عن الأداء الإلكتروني يشبه مطالبة فلاح باستعمال تطبيق ذكي قبل توفير الماء. هنا تتحول الرقمنة من فرصة إلى عبء إضافي على فاعلين اقتصاديين يعيشون أصلًا على هوامش هشة.

ثم هناك عامل غالبًا ما يتم تجاهله: العمر والتكوين. نسبة مهمة من تجار القرب تتجاوز أعمارهم 45 سنة، وكثير منهم لم يتلقوا أي تكوين رقمي حقيقي. بالنسبة لهؤلاء، الانتقال إلى منظومة جديدة لا يعني فقط تعلم استعمال جهاز، بل تغيير طريقة اشتغال عمرها عقود. وهذا الانتقال يحتاج إلى مواكبة بشرية مستمرة، لا إلى دورات تكوينية رمزية أو برامج موسمية تنتهي بانتهاء التمويل.

المقارنة مع تجارب إفريقية أخرى تكشف بوضوح أن النجاح لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا، بل بنموذج التنفيذ. في كينيا مثلًا، لم تنجح تجربة M-Pesa لأنها كانت أكثر تطورا تقنيا، بل لأنها كانت أبسط، أرخص، وأقرب إلى سلوك الناس اليومي. العمولة المنخفضة، سهولة الاستخدام، والثقة المجتمعية، هي التي صنعت التحول، لا عدد الأجهزة أو المؤتمرات. وفي نيجيريا وجنوب أفريقيا أيضًا، بدأ النجاح من الحوافز لا من الإلزام.

المغرب يحتاج إلى هذه المقاربة نفسها. المطلوب ليس رقمنة شكلية تُقاس بعدد أجهزة TPE الموزعة، بل تحول تدريجي يُقاس بتغير السلوك اليومي. وهذا يمر عبر إعفاءات حقيقية من العمولات في السنوات الأولى، توفير الأجهزة مجانًا أو بدعم مباشر، برامج تدريب واسعة للتجار، وحملات توعية للزبائن تجعل الأداء الرقمي خيارًا مريحًا لا فرضًا بيروقراطيًا.

تأهيل الأسواق التقليدية، وتحديث البنية التجارية، وإعداد دلائل تنظيمية جديدة، كلها خطوات إيجابية، لكنها تبقى ناقصة إذا لم تُرفق بسياسة ثقة. لأن التاجر لا يحتاج فقط إلى جهاز، بل إلى اقتناع بأن هذا الجهاز سيزيد دخله لا أعباءه. والزبون لا يحتاج فقط إلى تطبيق، بل إلى شعور بالأمان والسهولة.

الخطر الحقيقي هو أن تتحول “تجارة المغرب 2030” إلى مشروع فوقي يُدار من المكاتب بدل أن يُبنى من داخل الأحياء والأسواق. عندها لن تكون الخسارة مجرد فشل تقني، بل تهديدًا لنسيج اقتصادي يوفر مئات آلاف فرص الشغل ويحافظ على توازن اجتماعي دقيق. رقمنة تجارة القرب ليست معركة ضد الكاش، بل معركة لبناء ثقة جديدة بين التاجر، الزبون، والدولة.

وإذا لم تبدأ هذه الثقة من الواقع، فإن كل الخطط الكبرى ستبقى مجرد شعارات جميلة تُقال في المنتديات، بينما يستمر “الحانوت” المغربي في مقاومة التغيير، ليس رفضًا للمستقبل، بل دفاعًا عن البقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى