
في وقت تتسارع فيه تداعيات التغير المناخي على المنظومات الزراعية بالقارة الإفريقية، عادت مبادرة “تكييف الفلاحة الإفريقية” (AAA) إلى الواجهة من مدينة مكناس، لتؤكد أن معركة الأمن الغذائي لم تعد مجرد ملف تنموي، بل أصبحت رهانا استراتيجيا يرتبط بالسيادة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للقارة بأكملها.
وخلال المؤتمر الوزاري السادس للمبادرة، المنعقد على هامش الدورة الجديدة من الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب 2026، احتفت الدول الإفريقية بمرور عشر سنوات على إطلاق هذه المبادرة التي خرجت إلى الوجود سنة 2016 من مراكش، على هامش مؤتمر المناخ “كوب 22”، كإجابة إفريقية جماعية عن سؤال بالغ الحساسية: كيف يمكن حماية الفلاحة الإفريقية من أزمة مناخية لم تكن القارة سببا فيها، لكنها تؤدي ثمنها الأكبر؟
وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، اعتبر أن المبادرة لم تكن مجرد إعلان سياسي ظرفي، بل تجسيدا لرؤية استراتيجية بعيدة المدى، انطلقت من قناعة واضحة مفادها أن إفريقيا تحتاج إلى صوت موحد داخل مفاوضات المناخ الدولية، قادر على الدفاع عن مصالح الفلاحين الأفارقة، وجلب تمويلات أكثر عدالة، وتحويل الالتزامات المناخية إلى حلول عملية على الأرض.
البواري شدد على أن المبادرة مطالبة اليوم بدخول “عقدها الثاني” بمنطق مختلف، يقوم على تسريع الحلول القابلة للتنفيذ، وتعزيز الخدمات المناخية الموجهة للفلاحين، مع إعادة طرح ملف التمويل المناخي من زاوية الإنصاف، خاصة عبر الرفع من المنح وتقليص الاعتماد على القروض التي تزيد من هشاشة الاقتصادات الإفريقية وترهق مديونية الدول.
كما وضع الوزير النساء والشباب في قلب المرحلة المقبلة، معتبرا أن نجاح أي تحول فلاحي مستدام لن يكون ممكنا دون إشراك فعلي لهذه الفئات، باعتبارها الأكثر ارتباطا بالمجال القروي والأكثر تأثرا بالاختلالات المناخية.
من جهته، قدم محمد فكرات، رئيس مجلس إدارة مجموعة القرض الفلاحي للمغرب وعضو مجلس إدارة مؤسسة المبادرة، قراءة مالية أكثر واقعية، حين أكد أن تمويل الفلاحة الإفريقية لم يعد قابلا للاستمرار وفق النماذج التقليدية المعتمدة على مشاريع معزولة ومقاربات قصيرة النفس.
فكرات أوضح أن المرحلة الجديدة تفرض الانتقال نحو مقاربات مندمجة تشمل السلاسل الفلاحية بكاملها، وتأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الزمن الزراعي، وتعقيد المخاطر المرتبطة بالمناخ، وتذبذب المردودية، وهشاشة المنظومات البيئية، مشيرا إلى أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بالإنتاج الفلاحي، بل بالحفاظ على التوازنات الاجتماعية والاقتصادية في العالم القروي.
وفي السياق ذاته، اعتبر ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بالمغرب، ألكسندر هوين، أن حصيلة عشر سنوات من المبادرة تحمل مفارقة واضحة؛ فهي مدة قصيرة بالنظر إلى حجم التحديات المناخية المتفاقمة، لكنها في الوقت نفسه فترة مهمة بالنظر إلى ما تحقق من تراكم مؤسساتي وسياسي.
وأشار إلى أن المبادرة نجحت في عقد خمسة مؤتمرات وزارية، وترسيخ منصة قارية أصبحت اليوم فاعلا معترفا به داخل المشهد الإفريقي، بما يمنحها شرعية أكبر للدفاع عن قضايا التكيف الزراعي داخل الأجندة الدولية





