منذ تأسيس الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات سنة 2017، التي يقود دفتها حاليا علي الصديقي، بدا المشروع أكبر من مجرد مؤسسة عمومية جديدة. الدولة لم تكن تؤسس إدارة إضافية، بل كانت تبني ما يشبه “السوبر وكالة”، جهازاً موحداً يجمع تحت سقف واحد الترويج للاستثمار، دعم الصادرات، وصناعة صورة المغرب الاقتصادية في الخارج. لاحقاً، ومع إطلاق علامة “Morocco Now”، اكتمل المشهد: المغرب لم يعد يبيع فقط فرصاً استثمارية، بل يبيع سردية كاملة عن نفسه.
لكن بعد سنوات من هذا البناء، ومع بداية 2026 تحديداً، عاد سؤال مزعج إلى الواجهة: إذا كانت الأرقام بهذه القوة، فلماذا يستمر الشك؟ وإذا كانت الحصيلة بهذه الضخامة، فلماذا تتسع مساحة الأسئلة بدل أن تضيق؟
السؤال هنا ليس اتهاماً مباشراً، بل سؤال أكثر خطورة: ما الذي تخفيه AMDIE فعلاً؟
والجواب ليس بالضرورة فضيحة، ولا ملفاً سرياً واحداً، بل شيئاً أكثر تعقيداً: ضبابية منهجية تجعل من الصعب الفصل بين الإنجاز الحقيقي والنجاح المُعلن.
منذ إحداث الوكالة، تعاقب على قيادتها ثلاثة مديرين فقط، لكل واحد منهم مرحلة مختلفة من عمر المؤسسة. هشام بودراع، المدير العام بالنيابة، والذي قاد مرحلة التأسيس الأولى بعد دمج ثلاث مؤسسات كبرى هي AMDI وMaroc Export وOFEC، وهي مرحلة كان فيها التحدي الأساسي هو بناء الهيكلة الجديدة وتوحيد منطق العمل داخل جهاز واحد. بعده جاء يوسف الباري سنة 2021، في مرحلة انتقالية قصيرة لكنها حساسة، قبل أن يغادر سريعاً بعد سنة ونيف. ثم جاء علي الصديقي سنة 2022، ليقود الوكالة في مرحلة أكثر حساسية، حيث لم يعد السؤال حول التأسيس بل حول المردودية الفعلية، وحيث أصبحت المؤسسة مطالبة ليس فقط بتقديم الأرقام، بل بتفسيرها والدفاع عنها.
هذا التوالي السريع نسبياً في القيادة يعكس بدوره جزءاً من الإشكال. لأن الوكالة التي وُلدت لتكون ذراعاً استراتيجية مستقرة للدولة، وجدت نفسها مطالبة في كل مرحلة بإعادة تعريف دورها: هل هي مؤسسة تنفيذية؟ أم جهاز للترويج؟ أم واجهة سياسية واقتصادية لإنتاج صورة المغرب الاستثماري؟
الوكالة تقدم أرقاماً كبيرة: مشاريع بمليارات الدراهم، آلاف مناصب الشغل، نسب إنجاز مرتفعة، وحضور دولي مكثف. على الورق، تبدو الصورة شبه مثالية. لكن عند تفكيك هذه الأرقام، تظهر أول منطقة رمادية: الفرق بين “الاستثمار المصادق عليه” و”الاستثمار المنجز”.
المصادقة على مشروع لا تعني مصنعا قائما، ولا تعني وظائف تحققت فعلا، ولا تعني تدفقا نقديا دخل الاقتصاد الوطني. جزء كبير من الأرقام المعلنة يظل في مستوى الاتفاقيات، النوايا الاستثمارية، أو المشاريع طويلة الأمد التي لم تغادر بعد مرحلة الإعلان. ومع ذلك، تُحتسب داخل الحصيلة النهائية بنفس القوة الرمزية التي تُحتسب بها المشاريع المنجزة فعلاً.
هنا تبدأ المشكلة: حين يتحول الاستثمار من واقع اقتصادي إلى رقم جاهز للاستهلاك السياسي والإعلامي.
الأمر نفسه ينطبق على مناصب الشغل. حين يُعلن عن آلاف الوظائف، فإن جزءاً مهماً منها لا يكون نتيجة قائمة، بل توقعاً مستقبلياً تقدمه الشركات عند توقيع المشاريع. بين التقدير والتحقق، هناك سنوات من التنفيذ والاحتمالات والتغييرات. لكن في البلاغات، يتحول المستقبل إلى حاضر، والتوقع إلى إنجاز.
وهكذا لا تصبح المشكلة في صحة الأرقام، بل في طريقة استخدامها. الأرقام قد تكون صحيحة شكلاً، لكنها لا تقول الحقيقة كاملة.

ثم نصل إلى سؤال أكثر حساسية: من يصنع الاستثمار فعلاً؟
وكالة AMDIE تُقدم نفسها كواجهة الاستثمار الوطني، لكن الواقع أكثر تعقيداً. المشاريع الكبرى في المغرب لا تتحرك عبر الوكالة وحدها، بل عبر شبكة واسعة تضم وزارة الاستثمار، المراكز الجهوية للاستثمار، الدبلوماسية الاقتصادية، والفاعلين السياديين في القطاعات الكبرى. هذا يطرح سؤالاً محرجاً: هل الوكالة تقود الاستثمار فعلاً، أم أنها تتولى أساساً تسويق نتائج صُنعت في مكان آخر؟
إذا كانت الإجابة الثانية أقرب إلى الواقع، فنحن لا نتحدث عن مؤسسة تنفيذية بقدر ما نتحدث عن مؤسسة لإدارة السرد الاقتصادي. وهذا ليس تفصيلاً بسيطاً، لأن من يملك السرد يملك أيضاً جزءاً كبيراً من السلطة الرمزية.
لكن الملف الأكثر حساسية لا يتعلق بالأرقام وحدها، بل بالصورة.
قبل مدة، بدأت ملاحظات تتكرر حول حملات إشهارية قصيرة جداً، مكثفة، آخرها أطلقت في مواقع إخبارية بعينها، وهي المواقع الصحافية التي أثارت جزءا من هذه التساؤلات أعلاه، قبل أن يتم توقيف الحملات الاشهارية فجأة في ظرف ثلاثة أيام، مع أداء قيمتها بالكامل.
هذا النمط لا يشبه الحملات المؤسساتية التقليدية التي تُبنى على التراكم والاستمرارية، بل يوحي بمنطق مختلف: التدخل السريع في لحظة معينة.
هل الأمر مجرد برمجة عادية لحملات ظرفية؟ أم أن ميزانية التواصل داخل AMDIE تحولت من أداة ترويج اقتصادي إلى آلية لإدارة السمعة وإطفاء الانتقادات التي تطال أداء مؤسسة عمومية يرأسها علي الصديقي الموظف العمومي؟
لا أحد يملك جواباً نهائياً دون وثائق كاملة، لكن مجرد طرح السؤال يكشف مشكلة أعمق: غياب الشفافية في ميزانية التواصل، ومعايير توزيع الإشهار، والعلاقة بين الصورة والرقابة الإعلامية.
في عالم مثالي، الإشهار يُستخدم لبناء الثقة. لكن حين يصبح توقيته أكثر إثارة من مضمونه، يتحول من أداة تواصل إلى موضوع تحقيق.
وهنا نصل إلى جوهر القضية: ما يخفيه علي الصديقي ربما ليس فسادا واضحا، بل شيئاً أخطر وأكثر هدوءاً… غموضاً مؤسسياً منظماً.
غموض بين من يقرر ومن يعلن.
بين من يجلب الاستثمار ومن ينسبه لنفسه.
بين الإنجاز الحقيقي والنجاح التسويقي.
بين المال العام والنتيجة القابلة للقياس.
هذه الضبابية لا تُنتج فضيحة يومية، لكنها تُنتج شيئاً أكثر خطورة على المدى الطويل: مؤسسة يصعب مساءلتها بدقة لأنها لا تُقاس بدقة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح على علي الصديقي، المدير العام، ليس هو: هل AMDIE ناجحة أم فاشلة؟
السؤال الحقيقي هو: هل نعرف فعلاً كيف نقيس نجاحها؟
لأن المؤسسة التي يصعب قياسها، تصبح أيضاً المؤسسة التي يصعب محاسبتها. وعندما تتحول الأرقام إلى واجهة، والتواصل إلى درع، والسرد إلى سلطة، يصبح التحقيق ليس في الأداء فقط، بل في تعريف النجاح نفسه.
ربما لا تخفي AMDIE شيئاً واحداً.
ربما تخفي نظاماً كاملاً يجعل من الصعب أن نعرف أين يبدأ الإنجاز… وأين تنتهي الصورة.
هذه مجرد معطيات تقديمية لمحاولة فهم أسلوب إدارة علي الصديقي لمؤسسة بهذا الحجم.. الأهم سيأتي في سلسلة تحقيقات تطالعونها تباعا.







