
أكد أحمد رحو أن المواطن المغربي يظل الطرف الذي يتحمل في نهاية المطاف الكلفة النهائية لمنظومة توزيع الأدوية بالمغرب، سواء عبر اقتنائه المباشر للأدوية من الصيدليات أو بشكل غير مباشر عبر الاقتطاعات من الأجور لفائدة أنظمة التغطية الصحية، وعلى رأسها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وأوضح رحو، خلال ندوة صحفية عقدت الثلاثاء بالرباط لتقديم رأي مجلس المنافسة حول وضعية المنافسة في أسواق توزيع الأدوية، أن هذه المنظومة تمثل سوقا اقتصاديا مهما يقدر حجم معاملاته السنوية بحوالي 25 مليار درهم، ما يعكس الوزن المالي الكبير لهذا القطاع داخل المنظومة الصحية الوطنية.
وأشار رئيس مجلس المنافسة إلى أن جزءا كبيرا من هذه المعاملات يمر عبر قنوات التوزيع التقليدية، التي تشمل شركات التوزيع والصيدليات. ووفق المعطيات التي قدمها المجلس، فإن ما يقارب 13 مليار درهم من إجمالي رقم المعاملات السنوي يعبر هذه القنوات، وهو ما يجعلها الحلقة الأكثر تأثيرا في تحديد الكلفة النهائية للأدوية التي يؤديها المستهلك.
وأضاف أن تكلفة التوزيع داخل هذه السلسلة تبقى مرتفعة نسبيا، إذ تقدر بنحو 60 في المائة من القيمة الإجمالية للأدوية التي تمر عبر هذه القنوات، وهو ما يعادل ما بين 7 و8 مليارات درهم سنويا. وأبرز أن هذه الكلفة تتحملها في نهاية المطاف الأسر المغربية، سواء بشكل مباشر عند شراء الأدوية أو بشكل غير مباشر عبر مساهماتها في أنظمة التأمين الصحي.
وفي معرض حديثه عن مبررات هذه الكلفة، أشار رحو إلى أن جزءا منها يرتبط بالخدمة التي توفرها الشبكة الصيدلانية الوطنية، والتي تضمن تواجدا واسعا للصيدليات عبر مختلف مناطق البلاد. واعتبر أن هذا الانتشار يمثل في حد ذاته خدمة عمومية غير مباشرة تتيح للمواطنين الوصول إلى الأدوية والاستشارة الصيدلانية في معظم المدن والمراكز الحضرية.
وبحسب المعطيات التي قدمها مجلس المنافسة، يبلغ عدد الصيدليات بالمغرب حاليا نحو 14 ألفا و134 صيدلية، بمعدل يقارب 38.4 صيدلية لكل 100 ألف نسمة، وهو معدل يضع المغرب ضمن الدول التي تتوفر على شبكة صيدلانية واسعة نسبيا مقارنة بحجم ساكنتها.
غير أن رئيس المجلس أشار إلى أن هذا الانتشار لا يعني بالضرورة تحقيق تغطية متوازنة على المستوى الترابي، موضحا أن الجزء الأكبر من الصيدليات يتركز في المدن الكبرى والمراكز الحضرية، في حين تبقى بعض المدن الصغيرة والمناطق القروية أو النائية أقل استفادة من هذه الخدمة.
وفي هذا السياق، طرح رحو تساؤلا اعتبره جوهريا يتعلق بمدى ملاءمة هذه الشبكة لحاجيات المواطنين، قائلا إن توفر صيدلية بالقرب من محل السكن لا يعني دائما أن الخدمة المقدمة كافية أو متاحة في جميع الظروف. وأوضح أن الإشكال لا يتعلق فقط بعدد الصيدليات، بل أيضا بكيفية تنظيم عملها ومدى استجابتها لمتطلبات المواطنين في مختلف الأوقات.
وتوقف رئيس مجلس المنافسة بشكل خاص عند مسألة ساعات عمل الصيدليات، التي اعتبرها من بين النقاط التي تستدعي التفكير في تطويرها. وأوضح أن عددا من المواطنين يواجهون صعوبات في العثور على صيدلية مفتوحة خلال فترات الليل، ما يضطرهم أحيانا إلى التنقل بين عدة أحياء بحثا عن صيدلية للحراسة.
وأشار إلى أن هذا الوضع يعكس في جزء منه محدودية آليات الإخبار والتنسيق المتعلقة بنظام الحراسة الليلية، وهو ما يجعل الوصول إلى الصيدليات المفتوحة أمرا غير يسير في بعض الحالات، خصوصا بالنسبة للأشخاص الذين يحتاجون إلى الأدوية بشكل مستعجل خارج ساعات العمل العادية.
وفي المقابل، لفت رحو إلى أن العديد من الدول الأوروبية تعتمد نماذج تنظيمية أكثر وضوحا فيما يتعلق بساعات عمل الصيدليات. ففي عدد من هذه الدول يتم تحديد جدول زمني واضح للعمل يمتد عادة من السابعة والنصف صباحا إلى السابعة والنصف مساء، مع تنظيم دقيق لنظام الحراسة الليلية يضمن توفر صيدليات مفتوحة بشكل مستمر.
كما تعتمد هذه الدول، بحسب رئيس مجلس المنافسة، على أدوات رقمية وتطبيقات إلكترونية تسمح للمواطنين بتحديد موقع أقرب صيدلية مفتوحة في أي وقت، وهو ما يسهل الولوج إلى الأدوية والخدمات الصيدلانية بشكل سريع وفعال.
وأشار رحو إلى أن تطوير مثل هذه الآليات الرقمية يمكن أن يسهم في تحسين جودة الخدمة الصيدلانية بالمغرب دون الحاجة بالضرورة إلى رفع عدد الصيدليات، بل من خلال تحسين تنظيم الشبكة القائمة وتعزيز الشفافية في ما يتعلق بمواعيد العمل ونظام الحراسة.
وأكد في ختام عرضه أن النقاش حول سوق توزيع الأدوية لا ينبغي أن يقتصر على مسألة الأسعار فقط، بل يجب أن يشمل أيضا جودة الخدمة، وفعالية التنظيم، ومدى قدرة المنظومة على الاستجابة لحاجيات المواطنين بشكل متوازن بين مختلف مناطق المملكة.






