رئيسيةوجهات نظر

اقتصاد ينمو… وبطالة تتفاقم: من يسرق ثمار الاستثمار في المغرب؟

في كل مرة تُنشر فيها أرقام جديدة حول سوق الشغل في المغرب، يتجدد نفس الانطباع: لسنا أمام أزمة عابرة، بل أمام اختلال بنيوي يتعمق بصمت. آخر خلاصات البنك الدولي لا تضيف فقط أرقامًا إلى النقاش، بل تعيد طرح السؤال الجوهري: لماذا فشل الاقتصاد المغربي، رغم كل ما ضُخ فيه من استثمارات وإصلاحات، في تحويل النمو إلى وظائف؟

الأرقام صادمة، لكنها ليست مفاجئة. عجز سنوي في خلق مناصب الشغل ارتفع إلى 370 ألف خلال السنوات الأخيرة، مقابل 215 ألفًا في العقدين السابقين. معدل تشغيل يتراجع بعشر نقاط كاملة. شباب يدخلون سوق العمل بوتيرة تفوق بـ2.5 مرة قدرة الاقتصاد على استيعابهم.

هذه ليست مجرد مؤشرات تقنية، بل تعبير عن خلل عميق في طبيعة النمو نفسه. فالمغرب لا يعاني فقط من بطالة مرتفعة، بل من نموذج اقتصادي لا يُنتج ما يكفي من فرص الشغل، حتى في فترات الأداء الجيد.

المفارقة الأكثر وضوحًا هي أن هذا يحدث في سياق ارتفعت فيه الاستثمارات العمومية إلى مستويات غير مسبوقة. طرق سيارة، موانئ، مناطق صناعية، مشاريع طاقية… الدولة استثمرت بكثافة، ومع ذلك ظل الأثر على التشغيل محدودًا.

هنا بالضبط يكمن لب الإشكال: الاستثمار في حد ذاته لا يكفي، إذا لم يكن موجهًا نحو قطاعات كثيفة التشغيل، أو غير قادر على خلق سلاسل قيمة محلية حقيقية. جزء كبير من الاستثمارات المغربية يظل رأسماليًا أكثر منه تشغيليًا، أي يرفع الإنتاجية دون أن يخلق وظائف بالوتيرة المطلوبة.

الأمر لا يقف عند هذا الحد. بنية النسيج المقاولاتي تكشف بدورها عن مفارقة أخرى: 94% من المقاولات هي صغيرة جدًا أو صغرى ومتوسطة. هذا قد يبدو إيجابيًا من زاوية دينامية المبادرة، لكنه في الواقع يعكس اقتصادًا مُجزأً، حيث الغالبية الساحقة من الشركات لا تمتلك الحجم أو الموارد أو القدرة على التوسع وخلق فرص شغل كبيرة.

في المقابل، تظل الشركات الكبرى قليلة، وسلاسل الإنتاج غير مهيكلة بما يكفي لامتصاص اليد العاملة بشكل واسع.

ثم هناك “النصف الغائب” من الاقتصاد: النساء. بنسبة نشاط لا تتجاوز 19%، لا يتعلق الأمر فقط بمسألة مساواة، بل بهدر اقتصادي واضح. اقتصاد يُقصي نصف طاقته البشرية لا يمكنه أن ينمو بكفاءة.

لكن معالجة هذا الخلل لا يمكن أن تتم عبر الشعارات، بل تتطلب سياسات عمومية متكاملة: نقل، تعليم، تحفيزات ضريبية، وبيئة عمل ملائمة. دون ذلك، سيبقى إدماج النساء في سوق الشغل مجرد هدف مؤجل.

في خضم هذه الصورة، يبرز الخطاب السياسي بأرقامه الطموحة، أحيانًا أكثر مما يحتمل الواقع. الحديث عن مئات الآلاف من مناصب الشغل المحدثة يصطدم سريعًا بمعطيات المندوبية السامية للتخطيط وبتقارير المؤسسات الدولية.

المشكلة هنا ليست فقط في الأرقام، بل في طريقة تقديمها: هل نتحدث عن مناصب صافية أم إجمالية؟ عن وظائف مستقرة أم موسمية؟ عن القطاع الفلاحي أم غير الفلاحي؟ هذا الغموض يُضعف الثقة، ويُحول النقاش من تقييم السياسات إلى جدل حول المعطيات.

لا يعني هذا أن المسؤولية تقع على طرف واحد. جزء كبير من هذه الاختلالات تراكمي، مرتبط بنموذج تنموي تشكل عبر عقود، وباختيارات استراتيجية فضلت الاستقرار الكلي والاستثمار في البنيات التحتية، على حساب إصلاحات عميقة في التعليم، وسوق الشغل، وتحفيز الإنتاجية في القطاعات القابلة للتشغيل. كما أن الصدمات الخارجية، من جائحة إلى جفاف، عمّقت من هشاشة هذا النموذج.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا الاكتفاء بتفسير كل شيء بالعوامل الخارجية أو الإرث الثقيل. المرحلة الحالية تفرض وضوحًا أكبر في التشخيص وجرأة أكبر في الاختيارات.

إذا كان الهدف، كما يشير البنك الدولي، هو خلق 1.7 مليون منصب شغل في أفق 2035، فإن ذلك يتطلب أكثر من مجرد تسريع الوتيرة الحالية. يتطلب إعادة توجيه عميقة: نحو التصنيع الحقيقي، نحو دعم الشركات القابلة للنمو، نحو ربط التعليم بحاجيات السوق، ونحو إدماج فعلي للنساء والشباب في الدورة الاقتصادية.

في النهاية، ما تكشفه هذه الأرقام ليس فقط أزمة تشغيل، بل أزمة نموذج. اقتصاد ينمو دون أن يُشغّل بما يكفي، مجتمع شاب لا يجد مكانه بسهولة، وسياسات عمومية لم تنجح بعد في تحويل الإمكانيات إلى فرص.

بين الطموح والواقع، تتسع الفجوة، ويصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن مستعدون لتغيير قواعد اللعبة، أم سنواصل إدارة الاختلالات نفسها بأدوات مختلفة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى