
في إطار مشاركته في الدورة الثامنة عشرة من المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب 2026 بمكناس، قدّم برنامج «المثمر» رؤية موسعة ومتكاملة لمواكبة التحول الفلاحي بالمغرب وإفريقيا، تقوم على العلم والابتكار والقرب الميداني، في انسجام تام مع رؤية مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط المعنونة «تسخير الفوسفور لخدمة الحياة»، والتي تهدف إلى تحويل المعارف العلمية والبحث التطبيقي إلى حلول عملية قابلة للقياس والتأثير المباشر في الميدان، بما يخدم السيادة الغذائية، ويرفع من قدرة الأنظمة الزراعية على التكيف مع التغيرات المناخية، ويعزز استدامة الإنتاج الفلاحي على المدى الطويل.
ويقوم هذا التصور على فلسفة شمولية تعتبر أن تطوير الفلاحة لا يقتصر على رفع الإنتاج فقط، بل يشمل إعادة بناء المنظومة الزراعية من جذورها، بدءاً من صحة التربة، مروراً بطريقة الاستغلال، وصولاً إلى تسويق المنتجات. لذلك يعتمد البرنامج على مقاربة متكاملة تبدأ بتشخيص دقيق للتربة عبر التحاليل العلمية، ثم الانتقال إلى تخصيب موجه حسب حاجيات كل منطقة وكل محصول، وصولاً إلى تحسين المردودية الزراعية وتطوير سلاسل الإنتاج الحيواني، مع دمج الزراعة المحافظة، والتدبير المستدام للمياه، والميكنة الملائمة، وتعزيز قدرات الفلاحين والتعاونيات. وبهذا المعنى، يتحول «المثمر» إلى منصة تربط بشكل مباشر بين البحث العلمي والتطبيق الميداني داخل الضيعات الفلاحية، في نموذج يزاوج بين المعرفة والتجربة.
وفي محور الإنتاج الحيواني، تم تقديم برنامج الإنتاجات الحيوانية كأحد أهم المستجدات التي برزت خلال نسخة 2026، باعتباره برنامجاً موجهاً لإعادة هيكلة أنظمة تربية الماشية لدى صغار ومتوسطي المربين. ويعتمد هذا البرنامج على تدخلات تقنية دقيقة تشمل تحسين التغذية الحيوانية، تطوير إنتاج الأعلاف المحلية، تحسين عمليات التكاثر، تعزيز صحة القطيع، وتحديث أساليب التدبير التقني والاقتصادي للضيعات. والهدف الأساسي هو الانتقال من تربية تقليدية إلى تربية أكثر احترافية واستدامة، قادرة على تحسين الدخل الفلاحي وتقليل التكاليف ورفع الإنتاجية.
ويرتكز هذا البرنامج على نقل المعرفة العلمية إلى الميدان من خلال التكوين المستمر والتجارب التطبيقية، إلى جانب اعتماد أدوات رقمية مبتكرة تساعد على اتخاذ القرار داخل الضيعة. ومن بين هذه الأدوات حل رقمي متطور يتيح ضبط تركيبات الأعلاف ومتابعة الأداء الغذائي لكل حيوان بشكل فردي، مما يسمح بتحسين النجاعة التقنية والاقتصادية لأنظمة التربية الحيوانية. وقد مكنت هذه الدينامية إلى حدود اليوم من مواكبة أكثر من 1500 مربٍ، وإحداث أكثر من 120 منصة تجريبية مخصصة للأعلاف، وتنظيم أكثر من 100 دورة تكوينية ميدانية، إضافة إلى بناء مجتمع مهني تفاعلي يضم أكثر من 2000 عضو يتبادلون الخبرات والتجارب في مجال تربية الماشية.
وفي محور الماء، يواصل برنامج «المثمر» تطوير برنامج التدبير العقلاني للمياه باعتباره أحد الأعمدة الاستراتيجية لضمان استدامة الإنتاج الفلاحي في سياق يتسم بندرة الموارد المائية وتزايد الضغط المناخي. ويعتمد هذا المحور على مقاربة متكاملة تجمع بين المواكبة التقنية الميدانية، والمدارس الحقلية، ومنصات التجريب، والتكوين المستمر للفلاحين، إلى جانب التحسيس بأهمية ترشيد استعمال المياه وإدماج الموارد غير التقليدية في العمليات الزراعية.
ويتم دعم هذا التوجه عبر حل رقمي ذكي مخصص للري، يتيح تتبع رطوبة التربة بدقة عالية وتحديد احتياجات السقي وفق معطيات علمية دقيقة مرتبطة بكل قطعة أرض على حدة، مما يساهم في تحسين كفاءة استخدام المياه وتقليل الهدر. وقد مكنت هذه المنظومة من تحقيق نتائج ملموسة، من بينها أكثر من 3000 عملية تكوين ميداني ومدرسة حقلية، ومواكبة أكثر من 200 تعاونية فلاحية في مجال ترشيد المياه وإعادة تدويرها، إلى جانب إحداث أكثر من 60 منصة تجريبية. كما أظهرت النتائج الأولية تحسناً في إنتاجية المياه يصل إلى 25 في المائة في الأشجار المثمرة، وبين 7 و15 في المائة في الزراعات الخضرية، وهو ما يعكس الأثر المباشر للتقنيات المعتمدة على مستوى الاستغلال الفلاحي.
وفي البعد الاجتماعي، يواصل برنامج تمكين النساء القرويات تعزيز مكانة المرأة داخل المنظومة الفلاحية عبر برنامج “ElleMoutmir” وهو برنامج متكامل يهدف إلى إدماجها بشكل فعلي في سلسلة القيمة الفلاحية. ويعتمد هذا البرنامج على مجموعة من المداخل تشمل التكوين التقني، الدعم في التسيير الإداري، تطوير القدرات التنظيمية، توفير حلول الميكنة الملائمة، واعتماد أدوات رقمية حديثة، إضافة إلى ربط النساء بشبكات التسويق والتعاونيات.
ويُنظر إلى هذا البرنامج باعتباره رافعة أساسية لتعزيز التنمية المحلية، حيث يواكب أكثر من 4000 فلاحة، و400 تعاونية نسائية، وأكثر من 20 فاعلة في توزيع المدخلات الفلاحية. ويهدف هذا العمل إلى تحويل النساء القرويات من فاعلات تقليديات إلى رائدات في التنمية الفلاحية، قادرات على المساهمة في الأمن الغذائي وخلق القيمة الاقتصادية داخل الوسط القروي، مع بناء فضاء لتبادل الخبرات والتجارب بين مختلف المتدخلات في القطاع.
أما برنامج القادة الشباب، فيمثل أحد أهم مكونات رؤية «المثمر» المستقبلية، حيث يهدف إلى إعداد جيل جديد من الفلاحين ورواد الأعمال في المجال القروي، من خلال الجمع بين التكوين العلمي، والتأطير الميداني، وتنمية روح المبادرة، وتعزيز الولوج إلى الأسواق. ويرتكز هذا البرنامج على فكرة أن مستقبل الفلاحة مرتبط بقدرة الشباب على الابتكار وتبني التقنيات الحديثة وإدماجها في مشاريعهم الفلاحية.
وقد استفاد من هذا البرنامج أكثر من 450 شاباً، تم تأطيرهم في مجالات متعددة تشمل التدبير الفلاحي الحديث، وإنشاء مشاريع إنتاج الأسمدة المخصصة عبر حلول تقنية متقدمة، إضافة إلى دعم إنشاء أكثر من 10 تعاونيات خدمية يقودها شباب من العالم القروي، ما يعكس توجهًا نحو خلق اقتصاد فلاحي جديد قائم على المبادرة المحلية.
وفي محور البقوليات، يبرز برنامج المبادرة من أجل البقوليات للتربة والغذاء كأحد المحاور الاستراتيجية التي تعيد الاعتبار لهذه الزراعات داخل الدورة الزراعية. ويهدف هذا البرنامج إلى إدماج البقوليات بشكل أوسع في منظومات إنتاج الحبوب، باعتبارها عنصراً أساسياً في تحسين خصوبة التربة، وتعزيز التوازن الزراعي، ورفع المردودية، وتقوية القدرة على مواجهة التقلبات المناخية.
ويرتكز هذا البرنامج على البحث التطبيقي والتجارب الميدانية والتحسين الوراثي للبذور، إلى جانب تطوير سلاسل التوزيع والميكنة الملائمة، والعمل على خلق استعمالات جديدة للبروتينات النباتية. وقد سجل البرنامج نتائج مهمة، من بينها تحسين المردودية بنسبة تتراوح بين 20 و25 في المائة، وزيادة في هامش الربح بين 10 و25 في المائة، وتوسع المساحات المزروعة بنسبة 25 في المائة، إضافة إلى تحسن اعتماد البذور المحسنة بنسبة 15 في المائة، وهو ما يؤكد الإمكانات الكبيرة لهذا القطاع داخل الفلاحة المستدامة.
وفي سياق تعزيز حماية الإنتاج الفلاحي، تم الإعلان عن شراكة استراتيجية مع فاعلين دوليين وإقليميين متخصصين في مجال حماية النباتات، بهدف إطلاق برنامج وطني شامل للتكوين والتحسيس حول الاستخدام المسؤول لمنتجات حماية المزروعات. ويهدف هذا البرنامج إلى تقوية الوعي لدى الفلاحين، وتحسين الممارسات الزراعية، وضمان سلامة الإنتاج الغذائي، مع إدماج هذا البعد داخل منظومة المواكبة التقنية للمثمر.
كما تم الإعلان عن إطلاق أول منصة جهوية للفلاحة المستدامة بمدينة بنجرير، بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وشبكة الفاعلين في الابتكار الفلاحي. وتُعد هذه المنصة فضاءً متقدماً للتجريب والابتكار، يهدف إلى تطوير حلول في مجالي الميكنة الزراعية المستدامة والزراعة المحافظة، عبر جمع الفلاحين والباحثين والقطاع الخاص في فضاء واحد للتجربة والتطوير المشترك.
وتسعى هذه المنصة إلى اختبار وتكييف التقنيات الحديثة وفق خصوصيات المناطق الزراعية، وتسهيل ولوج الفلاحين إلى المعدات، وتعزيز قدرات الشباب والمهنيين، بما يساهم في تسريع اعتماد الحلول المبتكرة داخل الحقول، ورفع الإنتاجية، وتعزيز صمود الأنظمة الزراعية في مواجهة التغيرات المناخية.
وفي محور الميكنة الزراعية المستدامة، يركز البرنامج على تطوير معدات بسيطة وفعالة وملائمة لصغار ومتوسطي الفلاحين، تعتمد على مبادئ خفض التكلفة، ورفع الكفاءة، وتحسين ظروف العمل داخل الضيعات. كما تم العمل على تطوير عدد من الابتكارات في هذا المجال، من بينها تسع براءات اختراع مرتبطة بالميكنة الفلاحية، ما يعكس دينامية الابتكار المحلي داخل البرنامج.
وفي المجال الرقمي، تم تطوير منصة رقمية فلاحية متكاملة أصبحت بمثابة نظام شامل يرافق الفلاح من مرحلة تحليل التربة إلى مرحلة التسويق. وتوفر هذه المنصة خدمات متعددة تشمل تشخيص أمراض النباتات بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وحساب مردودية المشاريع الفلاحية، ومتابعة أحوال الطقس، وربط الفلاحين بمنافذ بيع المدخلات والأسواق.
كما تم تعزيز هذه المنصة بحلول رقمية متقدمة تشمل نظاماً ذكياً لتغذية الماشية يساعد على ضبط العلائق الغذائية، ونظاماً ذكياً للري يساعد على تحسين استهلاك المياه، إضافة إلى ربطها بمنصات معرفية متخصصة في نقل الخبرات الفلاحية، ومنصات تسويق تتيح بيع المنتجات عبر سلاسل قصيرة، مما يعزز إدماج الفلاح في الاقتصاد الرقمي الفلاحي.
وفي ما يتعلق بالأثر الميداني، أظهرت دراسة تقييمية شاملة بعد ثماني سنوات من إطلاق البرنامج نتائج مهمة تعكس عمق التحول الذي أحدثه «المثمر» في الممارسات الفلاحية. فقد تبين أن أكثر من 70 في المائة من الفلاحين يعتمدون تحليل التربة كأداة أساسية لاتخاذ القرار، وأن 67 في المائة يستعملون التسميد المخصص حسب حاجيات التربة، فيما تبنى 45 في المائة تقنية الزراعة بدون حرث، و91 في المائة يعتمدون تناوب الزراعات.
وقد انعكس هذا التحول مباشرة على الأداء الفلاحي، حيث سجلت الدراسة ارتفاعاً متوسطاً في المردودية بنسبة 40 في المائة، وتحسناً في هامش الربح بنسبة 29 في المائة، وهو ما يؤكد أن التغيير في الممارسات ينعكس بشكل مباشر على الدخل الفلاحي واستدامة الإنتاج.
كما تم تعزيز هذا الأثر عبر شبكة واسعة من البنيات الميدانية تشمل سبعة مختبرات متنقلة لتحليل التربة، وأكثر من 182 ألف تحليل للتربة، و544 منصة للزراعة المحافظة، و120 منصة لتنويع الزراعات، و60 منصة لتدبير المياه، إضافة إلى أكثر من 120 منصة تجريبية للأعلاف.
وبذلك يكرس برنامج «المثمر» موقعه كنموذج شامل للفلاحة الحديثة، يقوم على الربط بين العلم والتكنولوجيا والميدان، ويهدف إلى بناء منظومة زراعية أكثر استدامة وإنتاجية وقدرة على الصمود، مع تعزيز دور الفلاح باعتباره محور التحول الفلاحي في المغرب وإفريقيا.






