تحقيقاترئيسية

بعثات AMDIE..هل تحولت صفقات الترويج إلى صناعة وهم اقتصادي؟ (الحلقة 2)

منذ سنوات، تحولت المعارض الدولية والبعثات الاقتصادية إلى الواجهة الأكثر بروزاً في عمل الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات AMDIE. في كل بلاغ رسمي تقريباً، تتكرر نفس العبارات: حضور قوي، مشاركة في كبريات التظاهرات العالمية، مئات اللقاءات مع مستثمرين، وترويج لصورة “المغرب الجاهز”. لكن بعيداً عن هذه اللغة المتماسكة، بدأ سؤال مختلف يفرض نفسه: ماذا تحقق فعلاً من كل هذه الصفقات الترويجية؟

من الصعب الدفاع عن فكرة أن المعارض الدولية، في حد ذاتها، يمكن أن تكون بديلاً عن سياسة استثمار قائمة على النتائج. هي أداة ضمن أدوات، وليست الاستراتيجية نفسها. ما يكشفه تتبع عمل الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات خلال السنوات الأخيرة هو أن هذه الأداة تحولت تدريجياً إلى واجهة مركزية، بل إلى العمود الفقري الظاهر لسياسة الترويج، دون أن يواكب ذلك تطور مماثل في آليات القياس والتتبع.

منذ إطلاق علامة “Morocco Now” في 2021، تم توسيع الحضور المغربي في المعارض الدولية بشكل ملحوظ. الأرقام الرسمية، المتفرقة عبر البلاغات السنوية والتقارير المؤسساتية، تشير إلى مشاركة تتجاوز 40 إلى 60 تظاهرة سنوياً، تمتد من هانوفر إلى لو بورجيه، ومن دبي إلى شنغهاي. هذه الكثافة في الحضور تُقدَّم كمؤشر على دينامية الترويج، لكنها في الواقع تعكس تحولاً أعمق: الانتقال من دبلوماسية استثمارية قائمة على ملفات محددة إلى دبلوماسية قائمة على الظهور المتكرر.

إقرأ أيضا

ما الذي يخفيه علي الصديقي المدير العام لـ AMDIE؟

تكلفة هذا الظهور ليست هامشية. في المعارض الصناعية الكبرى مثل معرض هانوفر الصناعي أو معرض باريس للطيران، يمكن أن تتراوح تكلفة الجناح الوطني، حسب المساحة والتصميم والخدمات المصاحبة، بين 3 و8 ملايين درهم لكل مشاركة. هذا الرقم لا يشمل فقط كراء المساحة، بل يمتد إلى تصميم الفضاء (stand design)، الإنتاج السمعي البصري، نقل المعدات، الإقامة، وتنظيم اللقاءات الثنائية. في بعض الحالات، خاصة عندما يتم اللجوء إلى وكالات دولية متخصصة، يمكن أن تتجاوز التكلفة الإجمالية 10 ملايين درهم للحدث الواحد.

إذا افترضنا متوسطاً محافظاً قدره 5 ملايين درهم لكل تظاهرة، ومع 50 مشاركة سنوياً، فإن الكلفة الإجمالية تقترب من 250 مليون درهم سنوياً فقط على مستوى المعارض. هذا دون احتساب البعثات الاقتصادية الموازية، وصفقات التواصل، والحملات الرقمية المرتبطة بالعلامة الترابية. نحن إذن أمام ميزانية ترويجية يمكن أن تتجاوز بسهولة 300 إلى 400 مليون درهم سنوياً.

لكن أين الأثر؟

حسب آخر المعطيات المنشورة من طرف مكتب الصرف، بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المغرب في أحدث سنة متوفرة (2024 حسب النشرات الأولية/المحينة) في حدود يقارب 17 إلى 20 مليار درهم، مع تباين طفيف حسب طريقة احتساب العمليات وإعادة الاستثمار. هذا الرقم، رغم أهميته، يُستخدم عادة في الخطاب الرسمي كدليل على الجاذبية الاقتصادية، لكنه لا يجيب عن سؤال مركزي: ما نسبة ما يمكن ربطه فعلياً بأنشطة الترويج الخارجي، ومنها معارض AMDIE؟

المعضلة هنا ليست في غياب النتائج، بل في غياب قابلية الربط (attribution). لا توجد، في الوثائق العمومية، مؤشرات واضحة تربط بين مشاركة معينة في معرض محدد، وبين مشروع استثماري تحقق لاحقاً. لا توجد بيانات حول “معدل التحويل” (conversion rate): كم لقاءً يتحول إلى مشروع؟ كم زيارة لجناح “Morocco Now” تنتهي بتوقيع اتفاقية؟ هذه المؤشرات أساسية في تقييم أي سياسة ترويجية، لكنها شبه غائبة.

في المقابل، يتم التركيز على مؤشرات النشاط: عدد الزوار، عدد اللقاءات، عدد الدول المشاركة. حين ينتهي الحدث، أي حدث، يتم الحديث عن مئات اللقاءات وعشرات الاجتماعات مع مستثمرين محتملين. لكن بعد انتهاء الحدث، لا يتم نشر تتبع منهجي لهذه اللقاءات: كم منها استمر؟ كم تحول إلى شراكة أو استثمار؟ كم انتهى دون نتيجة؟

هذا النمط من التواصل يخلق ما يمكن تسميته “اقتصاد الانطباع”. الأثر يُقاس بما يُرى: جناح كبير، تصميم حديث، حضور مكثف، لقاءات متتالية. لكن ما لا يُرى – وهو الأهم – يبقى خارج القياس. وهنا يتحول الترويج إلى صناعة صورة أكثر منه صناعة نتائج.

إقرأ أيضا

هل تعتمد “Morocco Now” معطيات مغلوطة لتسويق وجهة المملكة؟ 

الأمر لا يتوقف عند القياس فقط، بل يمتد إلى بنية الصفقات نفسها. تتبع طلبات العروض (appels d’offres) المرتبطة بمعارض AMDIE يكشف عن تركّز نسبي لدى عدد محدود من الشركات، سواء في تصميم الأجنحة أو إنتاج المحتوى أو إدارة الفعاليات. نفس الأسماء تتكرر في عدة صفقات، أحياناً عبر تحالفات أو شركات واجهة. هذا لا يعني بالضرورة وجود اختلال قانوني، لكنه يطرح سؤال المنافسة: هل السوق مفتوحة فعلاً؟ أم أن هناك “دائرة مغلقة” تستفيد بشكل متكرر من هذه الصفقات؟

في بعض الحالات، يتم تقسيم المشروع إلى عدة حصص (lots)، ما يسمح بتمرير أجزاء مختلفة لنفس الشبكة من الفاعلين. تصميم الجناح، الإنتاج السمعي البصري، إدارة الحدث، التواصل الرقمي… كلها حلقات في سلسلة واحدة، لكنها تُمنح بشكل منفصل، ما يجعل تتبع التكلفة الإجمالية أكثر تعقيداً.

الأكثر إثارة هو أن هذه الصفقات، رغم حجمها، لا تخضع لنقاش عمومي يوازي أهميتها. لا توجد تقارير برلمانية مفصلة حول مردوديتها، ولا تقييمات مستقلة تنشر للعموم. في المقابل، يتم إدراجها ضمن “إنجازات” سنوية، دون تفكيك دقيق لمكوناتها.

إذا انتقلنا إلى المقارنة الدولية، نجد أن وكالات مثل Business France أو Germany Trade & Invest تعتمد على مؤشرات أكثر صرامة. يتم تتبع كل مشروع استثماري عبر مسار كامل: من أول تواصل، إلى مرحلة الدراسة، إلى القرار النهائي. ويتم نشر بيانات حول عدد المشاريع التي تم مرافقتها، عدد الوظائف المحدثة، وحجم الاستثمارات المرتبطة مباشرة بتدخل الوكالة.

في هذه النماذج، المعارض ليست سوى نقطة دخول (lead generation). قيمتها تُقاس بقدرتها على تغذية مسار للمشاريع، وليس بعدد الزوار. والأهم، أن مسار المشاريع هذا يتم تتبعه بشكل منهجي، مع مؤشرات تحويل واضحة.

في الحالة المغربية، مسار المشاريع غير مرئي. لا نعرف كم مشروعاً يوجد في مرحلة التفاوض نتيجة لقاءات في معرض معين. لا نعرف كم منها تعثر، ولماذا. هذا الغياب يجعل من الصعب تقييم فعالية السياسة الترويجية، ويترك المجال مفتوحاً لتضخيم دور المعارض في الخطاب الرسمي.

هناك أيضاً بعد زمني يجب أخذه بعين الاعتبار. الاستثمار لا يتحقق في أسابيع، بل في سنوات. مشروع صناعي قد يحتاج من 18 إلى 36 شهراً بين أول لقاء وبدء الإنتاج. هذا يعني أن تقييم المعارض يتطلب نظام تتبع طويل الأمد. لكن ما يظهر هو غياب هذا الربط الزمني: يتم الاحتفاء بالمعرض في حينه، ثم ينتهي التتبع عند حدود البلاغ.

في بعض الحالات، يتم لاحقاً الإعلان عن استثمارات كبرى، دون الإشارة إلى ما إذا كانت مرتبطة بمعارض سابقة. هذا يخلق انفصالاً بين “قصة الترويج” و”قصة الاستثمار”. الأولى مليئة بالأحداث، الثانية تظهر كقرارات مستقلة.

من زاوية أخرى، يمكن طرح سؤال الكفاءة: هل نفس الموارد، لو وُجهت بشكل مختلف، يمكن أن تحقق أثراً أكبر؟ على سبيل المثال، الاستثمار في فرق متخصصة في التفاوض القطاعي، أو في دراسات سوق دقيقة تستهدف شركات بعينها، قد يكون أكثر فعالية من حضور واسع في معارض عامة. هذا لا يعني التخلي عن المعارض، بل إعادة تحديد دورها.

المشكلة، في العمق، ليست في معارض AMDIE نفسها، بل في المنطق الذي يحكم استخدامها. عندما يصبح الحضور هدفا، يفقد الترويج معناه. وعندما لا يتم ربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس، يتحول إلى تكلفة يصعب تبريرها.

اليوم، ومع تصاعد التنافس الدولي على الاستثمارات، لم يعد كافياً أن تكون حاضراً. دول مثل فيتنام طورت نماذج هجينة تجمع بين الترويج الرقمي، الاستهداف المباشر للشركات، وحوافز استثمارية دقيقة. المعارض تبقى جزءاً من المنظومة، لكنها ليست مركزها.

في المغرب، يبدو أن هذا التحول لم يكتمل بعد. المعارض ما تزال في قلب السردية، بينما الأدوات الأخرى أقل وضوحاً في الخطاب العمومي. هذا لا يعني أنها غير موجودة، لكن يعني أنها أقل بروزاً.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت المعارض مفيدة، بل ما إذا كانت تُستخدم بالشكل الأمثل. هل هناك تقييم دوري لكل مشاركة؟ هل يتم إلغاء المشاركات ذات المردودية الضعيفة؟ هل يتم اختبار أسواق جديدة، أم الاكتفاء بالدورات نفسها في فرنسا وألمانيا وإسبانيا؟

في غياب إجابات واضحة، يبقى الانطباع السائد أن هناك استمرارية أكثر من مراجعة. دورة سنوية من المعارض، بنفس الصيغة، بنفس الفاعلين، وبنفس الخطاب.

هذا لا يلغي الجهود المبذولة من طرف الوكالة المغربية لتنمية الاستثمار والصادرات AMDIE، ولا ينفي وجود نتائج، لكنه يسلط الضوء على فجوة أساسية: فجوة بين ما يُعرض وما يُقاس.

في نهاية المطاف، الاستثمار لا يُقاس بعدد الأجنحة، بل بعدد المصانع، عدد الوظائف، وحجم القيمة المضافة. وكل سياسة ترويج لا تستطيع ربط أدواتها بهذه النتائج، تبقى معرضة لسؤال مشروع:

هل نحن أمام استراتيجية لجذب الاستثمار… أم أمام صناعة متكاملة لإنتاج صورة الاستثمار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى