رئيسيةوجهات نظر

قراءة في حرب الذكاء الاصطناعي المندلعة!

بقلم: نور الدين البيار – صحافي وخبير في التواصل الرقمي

 

لم يعد الذكاء الاصطناعي، مقتصراً كما في السابق على عالم الخيال العلمي، بل أصبح بسرعة قوة واسعة الانتشار في حياتنا.

من تشغيل السيارات ذاتية القيادة إلى إحداث ثورة في الرعاية الصحية، يَعِد الذكاء الاصطناعي بمستقبل مليء بإمكانيات لا يمكن تصورها. ومع ذلك، يكمن تحت سطح هذه الأعجوبة التكنولوجية الكثير من الخفايا التي تتطلب يقظة بشرية.

الزخم التكنولوجي تنامى بعد سنة من ظهور شات جي بي تي، لشركة اوبن إي أي، كآخر طفرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي حظي بشهرة واسعة عالميا. تصاعد التنافس بين هذه الشركة وشركة جوجل التي أعلنت إطلاق بارد قبل أشهر وعززته قبل أيام بنموذج’’جيميناي’’ ، آخر إصدارات الذكاء الاصطناعي للشركة التي دشنت ثورة الذكاء الاصطناعي فعليا قبل أزيد من عشر سنوات لكنها لم تكن توليه الأهمية كما اليوم في ظل منافسة شرسة ، من ميكروسوفت وإيلون ماسك مالك شركة ’’إكس إي أي’’ المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والشركة الام إكس تويتر سابقا،  الذي سبق ان كشف عن مخاوفه من السرعة التي تسير بها موجة برامج الذكاء الاصطناعي بعد ان استقال من اوبن إي أي التي كان احد مؤسسيها في العام2015 .

أ ف ب

ماسك أعلن السبت 9 دجنبر 2023، هو الآخر عن نموذج ذكاء اصطناعي فريد من نوعه تحت مسمى “غروك” (Grok).

إن ساحات المعارك المحتملة لصراع الذكاء الاصطناعي متنوعة ومتعددة الأوجه وليس أقلها ما أثاره فيلم ’’ اترك العالم خلفك’’ المثير المقتبس من رواية بالاسم نفسه.

واحدة من المخاوف الأكثر إلحاحا هي نزوح الوظائف. ومع قيام الذكاء الاصطناعي بأتمتة المهام بكفاءة متزايدة، فإن الوظائف التي كانت تعتبر آمنة في السابق تختفي، مما يترك الملايين بمستقبل غير مؤكد. ويمكن أن تؤدي هذه الاضطرابات الاقتصادية إلى اضطرابات اجتماعية، وزعزعة الاستقرار، واتساع الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون.

التهديد الآخر الذي يلوح في الأفق هو التحيز الخوارزمي. فأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل أي أداة، هي نتاج للبيانات التي يتم تدريبها عليها. إذا انحرفت هذه البيانات نحو خصائص ديموغرافية أو وجهات نظر معينة، فإن الخوارزميات الناتجة يمكن أن تؤدي إلى إدامة عدم المساواة والظلم. تخيل خوارزمية التوظيف التي تفضل أعراق معينة أو نظام الموافقة على القروض الذي يميز ضد الأفراد ذوي الدخل المنخفض. يمكن أن تكون عواقب مثل هذا الذكاء الاصطناعي المتحيز مدمرة، مما يؤدي إلى تآكل الثقة وزيادة تمزيق المجتمعات، وقد رصدت شخصيا التحيز الخوارزمي على مستوى اللغة، فمخرجات النموذج بالعربية تختلف عنها بالإنجليزية.

يثير شبح الأسلحة المستقلة مخاوف أخلاقية من نوع مختلف. إن فكرة قيام الآلات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي باتخاذ قرارات الحياة أو الموت دون تدخل بشري أمر مخيف. تخيل أسرابًا من الطائرات بدون طيار تتخذ قرارات مستقلة في ساحة المعركة، أو أنظمة أمن الحدود الآلية التي تقضي على الرقابة البشرية. إن احتمال إساءة الاستخدام والانتهاك في الأيدي الخطأ أمر مرعب، والحماية ضد مثل هذه السيناريوهات تتطلب تعاونا دوليا وأطر أخلاقية قوية.

وبعيدًا عن التهديدات المباشرة، يحذر بعض الخبراء من خطر وجودي أكبر: ظهور الذكاء الفائق. الذكاء الاصطناعي الذي يفوق الذكاء البشري يمكن أن يشكل تهديدًا وجوديًا لوجودنا ذاته. ورغم أن هذا السيناريو قد يبدو بعيد المنال، فمن الأهمية بمكان أن نأخذ في الاعتبار العواقب المحتملة للتكنولوجيا التي يمكن أن تعيد كتابة قواعد اللعبة.

سيكون من السذاجة أن نتجاهل هذه الصراعات المحتملة باعتبارها مجرد مادة للخيال العلمي. لقد تم بالفعل زرع بذور صراع الذكاء الاصطناعي، ويتعين علينا أن نتحرك الآن للتخفيف من المخاطر وضمان أن هذه التكنولوجيا القوية تخدم البشرية، وليس العكس.

لكن في المقابل يمكننا الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بعيدا عن الحرب الرقمية المندلعة بين شركات التكنولوجيا وتحويل المخاطر إلى فرص.

يمكن إعطاء الأولوية لتطوير الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول وأخلاقي وذلك من خلال وضع مبادئ توجيهية ولوائح أخلاقية واضحة تحكم تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك معالجة قضايا التحيز والشفافية والمساءلة.

الاستثمار في إعادة اكتساب المهارات والتعليم من خلال تزويد الموارد البشرية بالمهارات اللازمة للنجاح في اقتصاد يعتمد على الذكاء الاصطناعي.

تعزيز التعاون الدولي: يتطلب التصدي لتحديات الذكاء الاصطناعي تعاوناً عالمياً. ويتعين علينا أن نتبادل أفضل الممارسات، وأن نضع معايير مشتركة، وأن نعمل معًا لتخفيف المخاطر المحتملة.

تعزيز الحوار المفتوح والشفاف: يعد الانخراط في محادثات مفتوحة حول الفوائد والمخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي أمرًا بالغ الأهمية لبناء ثقة الجمهور وضمان التنمية المسؤولة.

مستقبل الذكاء الاصطناعي ليس محددًا مسبقًا. ولدينا القدرة على تشكيل مساره، لضمان أن تصبح قوة للخير، وليس للصراع. ومن خلال تبني نهج استباقي ومسؤول، يمكننا إطلاق العنان للإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي مع حماية أنفسنا من مخاطره المحتملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى