رئيسيةوجهات نظر

أيها المغاربة.. عزيز أخنوش يخاطبكم!

غدا، لن يخرج عزيز أخنوش فقط لعرض حصيلة حكومية بالأرقام والمؤشرات، بل سيخرج في لحظة سياسية دقيقة عنوانها الأكبر: الدفاع عن معنى وجود هذه الحكومة بعد سنوات من التآكل التدريجي لصورتها لدى جزء واسع من الرأي العام.

الفيديو المرتقب، الممتد لنحو 25 دقيقة، يأتي في سياق يختلف تماما عن بدايات ولاية 2021. حينها، كان أخنوش يقدم نفسه باعتباره رجل المرحلة القادر على الجمع بين منطق المقاولة وفعالية الدولة، مستندا إلى فوز انتخابي مريح وإلى خطاب سياسي قائم على “الثقة” و”النجاعة” و”الدولة الاجتماعية”.

أما اليوم، فهو يتحدث من موقع أكثر تعقيدا: رئيس حكومة يواجه نقاشا عموميا قاسيا حول الحصيلة، وفي الوقت نفسه سياسي تخلى عن رئاسة حزبه، بما يحمله ذلك من دلالات حول توازنات المرحلة المقبلة.

السؤال الحقيقي إذن ليس ماذا سيعرض أخنوش من أرقام، بل أي رواية سيحاول تثبيتها في ذهن المغاربة.
على الأرجح، سيقول إن حكومته اشتغلت في ظروف استثنائية: جفاف متواصل، تضخم عالمي، أزمات دولية وضغط اجتماعي غير مسبوق. وسيحاول إقناع المغاربة بأن جزءا كبيرا من الاختلالات لا يعود فقط إلى السياسات الحكومية، بل إلى سياق عالمي صعب فرض كلفته على الجميع. إنها الرواية التي اعتمدتها الحكومة منذ بداية الولاية: “الأزمة أكبر من الحكومة”.

لكن أخنوش سيعرف أيضا أن هذا التبرير لم يعد كافيا بالنسبة إلى مواطن يربط السياسة مباشرة بسعر الخضر واللحم والمحروقات وفرص الشغل. لذلك، سيعود بالتأكيد إلى الملفات التي تعتبرها الحكومة أكبر إنجازاتها: الدعم الاجتماعي المباشر، تعميم الحماية الاجتماعية، دعم السكن، الحوار الاجتماعي، والزيادات في الأجور. سيقدم هذه الأوراش باعتبارها إصلاحات بنيوية ستظهر نتائجها على المدى الطويل، حتى لو لم يشعر بها الجميع الآن.

غير أن أكثر ما سيلاحق هذا الخروج ليس فقط النقاش حول الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية، بل أيضا الجدل السياسي والأخلاقي المرتبط بتضارب المصالح. فمنذ بداية الولاية، واجهت الحكومة، ورئيسها تحديدا، انتقادات متكررة تتعلق بتقاطع السلطة السياسية مع النفوذ الاقتصادي، خصوصا في قطاعات استراتيجية وحساسة.

ومع توسع مشاريع تحلية مياه البحر، وتصاعد الاستثمارات الكبرى في الطاقات المتجددة، ثم الجدل الذي رافق ملف استيراد اللحوم والدعم والإعفاءات المرتبطة به، عاد السؤال بقوة داخل الرأي العام: أين ينتهي القرار العمومي وأين تبدأ المصالح الاقتصادية الخاصة؟

صحيح أن الحكومة دافعت مرارا عن اختياراتها باعتبارها جزءا من رؤية استراتيجية لضمان الأمن المائي والطاقي والغذائي للمملكة، لكن المعارضة ومنتقدي الحكومة يرون أن المشكل لا يتعلق فقط بالقانون، بل أيضا بصورة السلطة والثقة السياسية. فحين يصبح رئيس الحكومة في الآن نفسه فاعلا اقتصاديا كبيرا في قطاعات تستفيد من قرارات الدولة واستثماراتها، فإن أي نجاح حكومي يتحول تلقائيا إلى موضوع شبهة ونقاش وتأويل سياسي، حتى وإن لم تُثبت أي خروقات قانونية.

وهنا تكمن إحدى أعقد أزمات حكومة أخنوش: أزمة الثقة أكثر من أزمة الأرقام. فجزء من المغاربة لم يعد يناقش فقط حصيلة الحكومة، بل يناقش أيضا طبيعة العلاقة بين المال والسلطة، وحدود التداخل بين تدبير الشأن العام والمصالح الاقتصادية الكبرى.

في المقابل، سيكون أخنوش مطالبا ضمنيا بالرد على سؤال لم تستطع الحكومة التخلص منه منذ سنوات: لماذا لا يشعر المغاربة بتحسن فعلي في حياتهم اليومية رغم كل هذه البرامج والأرقام؟

وهنا تكمن صعوبة الخروج المرتقب. فالفجوة بين “لغة المؤشرات” و”الإحساس الاجتماعي” أصبحت أوسع من أي وقت مضى. الحكومة تتحدث عن استثمارات وأوراش كبرى وتوازنات مالية، بينما يتحدث جزء مهم من المواطنين عن الغلاء والبطالة وتراجع القدرة الشرائية. وهذه الهوة هي التي صنعت الصورة السلبية التي تلاحق الحكومة على مواقع التواصل وفي النقاش العمومي.

ثم إن هذا الخروج يأتي أيضا في سياق سياسي خاص: أخنوش لم يعد رئيسا لـ التجمع الوطني للأحرار، ما يجعل ظهوره أقرب إلى خطاب “رجل دولة” يسعى إلى حماية حصيلة ولايته، أكثر من كونه زعيما حزبيا يخوض حملة انتخابية مبكرة. لذلك قد نكون أمام محاولة لإعادة تقديم نفسه باعتباره مسؤولا اشتغل بمنطق المؤسسات لا بمنطق الشعبوية، حتى وإن كانت الكلفة السياسية لذلك مرتفعة.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم غدا هو: “ماذا سيقول أخنوش؟”، بل: “هل ما زال المغاربة مستعدين للاستماع إليه بالطريقة نفسها التي استمعوا بها إليه سنة 2021؟” لأن السياسة ليست فقط معركة أرقام، بل أيضا معركة ثقة، وهذه الأخيرة تبدو اليوم أكثر الملفات تعقيدا أمام الحكومة الحالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى